في خطوة تاريخية تعكس تحولاً جذرياً في سياسات بيونغ يانغ، كشفت تقارير حديثة عن تعديل جذري في دستور كوريا الشمالية، حيث تم حذف جميع الإشارات المتعلقة بالوحدة مع كوريا الجنوبية. ووفقاً لوثيقة اطلعت عليها وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، فإن هذا الإجراء يؤكد سعي بيونغ يانغ لاعتماد سياسة أكثر عدائية تجاه سيول، وتكريس مبدأ «الدولتين المعاديتين» بشكل قانوني ورسمي، مما يضع حداً لعقود من الآمال المتعلقة بإعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية.
وأظهرت الوثيقة، التي عُرضت خلال مؤتمر صحفي بوزارة التوحيد الكورية الجنوبية، أنه تم حذف فقرة رئيسية كانت تنص صراحة على أن البلاد «تناضل من أجل تحقيق توحيد الوطن الأم على أساس الاستقلال والتوحيد السلمي والوحدة الوطنية العظمى». علاوة على ذلك، أضاف الدستور المعدل، لأول مرة في تاريخ البلاد، بنداً إقليمياً يُعرّف أراضي بيونغ يانغ بأنها تحدها جمهورية كوريا (الجنوبية) جنوباً، إلى جانب الصين وروسيا شمالاً. هذا التعديل يعكس اعترافاً دستورياً رسمياً بكوريا الجنوبية كدولة منفصلة ومعادية، وليس كجزء مقتطع من الوطن الأم.
السياق التاريخي لتعديل دستور كوريا الشمالية
لفهم أبعاد هذا التحول، يجب النظر إلى السياق التاريخي الذي سبق تعديل دستور كوريا الشمالية. منذ تقسيم شبه الجزيرة الكورية بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية (1950-1953) التي انتهت بهدنة عسكرية وليس بمعاهدة سلام شاملة، ظل الخطاب الرسمي في كلا البلدين يعتبر الكوريتين شعباً واحداً مقسماً مؤقتاً. ومع ذلك، بدأ هذا النهج يتغير بشكل جذري منذ أواخر عام 2023، عندما أعلن الزعيم كيم جونغ أون تخليه علناً عن فكرة التوحيد السلمي. وقد وصف كيم جارتهم الجنوبية بأنها «العدو الرئيسي»، مما مهد الطريق لسلسلة من الإجراءات التصعيدية، شملت تدمير الطرق والسكك الحديدية الرمزية التي كانت تربط بين البلدين، وإزالة رموز الوحدة من الدعاية الرسمية، وصولاً إلى التعديلات الدستورية الأخيرة التي أقرها مجلس الشعب الأعلى.
التداعيات الإقليمية والدولية لإنهاء حلم التوحيد
يحمل هذا التغيير الجذري دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز حدود شبه الجزيرة الكورية لتؤثر على المشهد الأمني الإقليمي والدولي. محلياً، يُنهي هذا القرار عقوداً من الجهود الدبلوماسية والمفاوضات التي كانت تهدف إلى التقارب، ويرسخ حالة العداء كأمر واقع وقانوني دائم. إقليمياً، يزيد هذا التصعيد من حالة التوتر في منطقة شرق آسيا، خاصة مع تزايد وتيرة التجارب الصاروخية والبرنامج النووي لبيونغ يانغ، وتعزيز تعاونها العسكري والاستراتيجي مع روسيا. أما على الصعيد الدولي، فإن هذه الخطوة تضع المجتمع الدولي أمام تحديات جديدة ومعقدة في التعامل مع بيونغ يانغ، حيث تتضاءل فرص استئناف الحوار الدبلوماسي في ظل تمسك القيادة الكورية الشمالية بخطابها العسكري المتشدد.
الموقف الكوري الجنوبي والتمسك بالثوابت
في المقابل، لم تقف سيول مكتوفة الأيدي أمام هذه التطورات المتسارعة. فقد أعربت كوريا الجنوبية عن قلقها البالغ إزاء هذه الخطوات الأحادية، مؤكدة في الوقت ذاته أنها لن تنجر إلى تغيير ثوابتها القانونية والسياسية. وشددت سيول على أنها لن تقوم بتعديل دستورها الذي لا يزال يعتبر شبه الجزيرة الكورية بأكملها أرضاً تابعة لها. وتواصل الحكومة الكورية الجنوبية التمسك بمبدأ التوحيد السلمي، رغم التحديات الكبيرة التي يفرضها الواقع الجديد، معتمدة في ذلك على تعزيز تحالفاتها الأمنية مع الولايات المتحدة واليابان لضمان الردع العسكري وحماية أمنها القومي من أي تهديدات محتملة قد تنجم عن هذا التصعيد.


