تترقب الأوساط السياسية والشعبية موعد إعلان الحكومة العراقية الجديدة، حيث يعتزم رئيس الوزراء العراقي المكلف، علي الزيدي، تقديم تشكيلة حكومته إلى البرلمان يوم السبت القادم. وتأتي هذه الخطوة وسط ترقب حذر، إذ من المتوقع أن تخلو التشكيلة الأولية من الوزارات السيادية، وذلك لحين التوصل إلى تفاهمات نهائية مع القوى السياسية المتنافسة التي تسعى جاهدة للسيطرة على تلك الحقائب الحساسة.
جذور الأزمة السياسية ومسار التوافقات
يعاني المشهد السياسي في العراق منذ سنوات من تعقيدات متكررة عند كل استحقاق دستوري، حيث تعتمد العملية السياسية على نظام التوافق والمحاصصة. هذا النظام، رغم أنه يهدف إلى ضمان تمثيل جميع المكونات، إلا أنه غالباً ما يؤدي إلى انسدادات سياسية طويلة. وفي هذا السياق، جاء ترشيح الزيدي لرئاسة مجلس الوزراء بعد أسابيع من الجمود، إثر تنازل رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، عن خوض السباق، مما فتح الباب أمام تسوية سياسية جديدة تهدف إلى إنهاء حالة الشلل المؤسسي وتوزيع المواقع السيادية والخدمية.
الشروط الأمريكية وتحديات الحكومة العراقية الجديدة
لا تقتصر التحديات التي تواجه الحكومة العراقية الجديدة على الداخل فحسب، بل تمتد لتشمل ضغوطاً خارجية كبيرة. فقد كشفت مصادر سياسية مطلعة أن الزيدي يواجه مهمة شاقة للتوفيق بين مطالب القوى السياسية المحلية والشروط الأمريكية الصارمة. وأبلغت واشنطن بغداد بوضوح رفضها التام للتعامل مع أي حكومة تضم ممثلين عن فصائل مسلحة تصنفها الولايات المتحدة كـ “منظمات إرهابية”، في إشارة إلى الفصائل المدعومة من إيران. هذا الموقف الحازم أكده الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال اتصال هاتفي أجراه مع الزيدي عقب تكليفه، مما يضع رئيس الوزراء المكلف أمام معادلة صعبة للحفاظ على التوازن الدبلوماسي.
خريطة توزيع الحقائب الوزارية ومناصب النواب
لتجاوز عقبة الخلافات حول توزيع الحقائب الوزارية التي تهدد بإرباك علاقاته مع الكتل السياسية، اقترح الزيدي رفع عدد نواب رئيس الحكومة إلى أربعة لضمان التوازن. يشمل هذا المقترح تعيين محسن المندلاوي (المدعوم من ائتلاف دولة القانون)، ومثنى السامرائي (زعيم تحالف العزم عن المكون السني)، وفؤاد حسين (وزير الخارجية بحكومة تصريف الأعمال عن الحزب الديمقراطي الكردستاني)، مع ترجيح إضافة مرشح رابع. أما على صعيد التشكيلة الوزارية التي تبلغ 22 وزارة، فمن المقرر أن تُوزع بواقع 12 وزارة لقوى الإطار التنسيقي، و6 وزارات للكتل السنية، و4 وزارات للأحزاب الكردية. ومن المتوقع أن تمثل التشكيلة المقدمة للبرلمان أقل من ثلاثة أرباع العدد الإجمالي للوزراء.
الأهمية الاستراتيجية والتأثير المتوقع محلياً وإقليمياً
يحمل تشكيل هذه الحكومة أهمية استراتيجية بالغة تتجاوز الحدود المحلية. على الصعيد الداخلي، ينتظر العراقيون من التشكيلة المرتقبة إقرار الموازنات، وتحسين الخدمات الأساسية، ومعالجة الأزمات الاقتصادية المتراكمة. أما إقليمياً ودولياً، فإن استقرار العراق يعد ركيزة أساسية لأمن الشرق الأوسط. نجاح الزيدي في تشكيل حكومة متوازنة ومقبولة دولياً سيساهم في تعزيز دور العراق، ويضمن استمرار الدعم الدولي في مجالات مكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار. وقد أبلغ الزيدي قادة الإطار التنسيقي بعزمه تقديم التشكيلة السبت، على أن يعقد مجلس النواب جلسة حاسمة للتصويت على منح الثقة، في خطوة يترقبها الجميع لرسم ملامح المرحلة القادمة.


