انطلقت في العاصمة التركية أعمال قمة الناتو في أنقرة بمشاركة قادة الدول الأعضاء البالغ عددها 32 دولة، في اجتماع استثنائي يستمر لمدة يومين. وتأتي هذه القمة في وقت تشهد فيه الساحة الدولية تحديات أمنية متصاعدة وضغوطاً أمريكية متزايدة لدفع الحلفاء الأوروبيين إلى تحمل حصة أكبر من أعباء الدفاع المشترك، لا سيما مع وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتأكيده المستمر على ضرورة إعادة توازن القوى والالتزامات المالية داخل حلف شمال الأطلسي.
أجندة قمة الناتو في أنقرة وملف الإنفاق الدفاعي
تتصدّر زيادة الإنفاق العسكري وتعزيز القدرات الدفاعية جدول أعمال القمة، حيث تسعى الدول الأوروبية إلى ترجمة تعهداتها السابقة برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035 إلى خطوات عملية ملموسة. وفي هذا السياق، أعلن الأمين العام للحلف، مارك روته، أن الدول الأوروبية وكندا أحرزت تقدماً ملموساً، مشيراً إلى أن حجم الاستثمارات الإضافية في الدفاع خلال عامي 2025 و2026 سيبلغ نحو 258 مليار دولار، مما يعزز جاهزية الحلف في مواجهة التهديدات الأمنية المتنامية وفي مقدمتها التهديدات الروسية.
سياق تاريخي متجدد: من الحرب الباردة إلى التهديدات الحديثة
تأسس حلف شمال الأطلسي (الناتو) في عام 1949 كدرع دفاعي جماعي لمواجهة التوسع السوفيتي إبان الحرب الباردة. وطوال عقود، كان الحلف يعتمد بشكل أساسي على المظلة الأمنية والتمويل الأمريكي. ومع ذلك، فإن التحولات الجيوسياسية الأخيرة، بدءاً من ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في 2014 وصولاً إلى الحرب الشاملة في أوكرانيا، أعادت صياغة الأولويات الأمنية للقارة العجوز. لم تعد مسألة زيادة الإنفاق الدفاعي مجرد رفاهية سياسية، بل أصبحت ضرورة استراتيجية ملحة لضمان بقاء الحلف وقدرته على الردع في القرن الحادي والعشرين.
احتواء ضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
تحمل هذه القمة بعداً سياسياً بالغ الأهمية، حيث يسعى القادة الأوروبيون إلى توجيه رسائل طمأنة واضحة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ولطالما انتقد ترامب ما يعتبره عدم توازن في تقاسم الأعباء المالية، مطالباً الحلفاء بالاعتماد على أنفسهم بشكل أكبر. ولإثبات جديتهم، يشهد اليوم الأول للقمة افتتاح معرض ومنتدى للصناعات الدفاعية، حيث سيُعلن عن صفقات تسليح جديدة بمليارات الدولارات. وفي هذا الإطار، أعلنت كندا عن اختيار شركة ألمانية لبناء أسطول جديد من الغواصات ضمن برنامج دفاعي ضخم، مما يعكس التوجه نحو تعزيز التعاون الدفاعي العابر للأطلسي.
ملفات ساخنة: أوكرانيا والشرق الأوسط على طاولة المفاوضات
لا تقتصر أهمية القمة على الجوانب التنظيمية والمالية، بل تمتد لتشمل ملفات إقليمية ودولية بالغة الحساسية. ويحضر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي جانباً من الاجتماعات، حيث يشارك في عشاء القادة ويجري لقاءات مكثفة للحصول على حزمة مساعدات عسكرية جديدة تصل قيمتها إلى 140 مليار يورو، مع التركيز على أنظمة الدفاع الجوي لمواجهة التصعيد الروسي. كما يُتوقع عقد اجتماع ثنائي حاسم بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزيلينسكي لبحث مستقبل الدعم الأمريكي ومساعي دفع موسكو وكييف نحو طاولة المفاوضات.
بالتوازي مع ذلك، تخيم التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط على القمة، حيث يناقش الحلفاء سبل التنسيق الأمني وحماية الملاحة الدولية في مضيق هرمز ومواجهة التهديدات المرتبطة بالملف الإيراني، مما يبرز الدور المحوري للحلف في استقرار الأمن العالمي والإقليمي.


