تتجه أنظار العالم صوب العاصمة التركية، حيث تنطلق قمة الناتو في أنقرة بمشاركة قادة الدول الأعضاء البالغ عددها 32 دولة، إلى جانب شركاء دوليين بارزين. تأتي هذه القمة في وقت بالغ الحساسية يشهد فيه العالم تحولات جيوسياسية متسارعة وتحديات أمنية غير مسبوقة، تتراوح بين استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط. ويسعى الحلف من خلال هذا الاجتماع الرفيع إلى صياغة استراتيجيات دفاعية موحدة قادرة على مواجهة التهديدات الراهنة والمستقبلية.
سياق تاريخي متوتر يحيط بـ قمة الناتو في أنقرة
تأسس حلف شمال الأطلسي (الناتو) في عام 1949 كدرع دفاعي جماعي خلال حقبة الحرب الباردة، لكنه يواجه اليوم أكبر اختبار لتماسكه منذ عقود. إن انعقاد هذه القمة يمثل نقطة تحول جوهرية، حيث يعيد الحلف صياغة عقيدته العسكرية لمواجهة التهديدات المتعددة الأبعاد. ولم تعد التحديات مقتصرة على الجبهة الشرقية لأوروبا فحسب، بل امتدت لتشمل أمن الممرات المائية الحيوية واستقرار مصادر الطاقة العالمية، مما يفرض على الأعضاء تنسيقاً أعمق واستجابة أسرع للأزمات الدولية الناشئة.
الإنفاق العسكري وضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
يتصدر ملف الإنفاق الدفاعي مناقشات القادة في العاصمة التركية، وسط ضغوط متزايدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يصر على ضرورة ترجمة التعهدات السابقة إلى خطوات عملية ملموسة. وكان الحلفاء قد التزموا في قمة العام الماضي برفع الإنفاق العسكري إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. ويهدف الرئيس الأمريكي ترامب من هذه الضغوط إلى تقليص العبء المالي والدفاعي عن كاهل الولايات المتحدة، ودفع الدول الأوروبية إلى تحمل مسؤولياتها الأمنية بشكل كامل، مما يستدعي مراجعة شاملة لخطط التصنيع العسكري وتحديث الجيوش الأوروبية.
أمن مضيق هرمز ودعم أوكرانيا على طاولة المفاوضات
تشكل التطورات الأخيرة في مضيق هرمز والملف الإيراني محوراً رئيسياً في أجندة القمة، نظراً للتأثير المباشر لهذه التوترات على حركة الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة العالمية. ومن المتوقع أن يجدد الحلف التزامه بضمان حرية الملاحة ورفضه القاطع لامتلاك إيران سلاحاً نووياً. وبالتوازي مع ذلك، يبحث القادة، بمشاركة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، سبل استدامة الدعم العسكري والمالي لكييف حتى عام 2027، لضمان قدرتها على مواجهة العمليات العسكرية الروسية المستمرة.
الدور التركي المتنامي ومنتدى الصناعات الدفاعية
تستغل تركيا استضافتها للقمة لإبراز قدراتها المتطورة في مجال التصنيع العسكري، والدفع نحو رفع القيود المفروضة على تجارة السلاح بين دول الحلف. ومن المقرر أن يبحث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الأمريكي ملفات ثنائية شائكة، في مقدمتها استئناف مشاركة أنقرة في برنامج المقاتلات “إف-35”. ويتزامن مع القمة تنظيم منتدى للصناعات الدفاعية، يُتوقع أن يشهد توقيع اتفاقيات إنتاج مشترك بمليارات الدولارات لتعزيز القدرات الردعية الجماعية للحلف.
تأثيرات استراتيجية ممتدة على الأمن الإقليمي والدولي
تحمل مخرجات هذه القمة أبعاداً استراتيجية تتجاوز الحدود الجغرافية للدول الأعضاء. فعلى الصعيد المحلي والإقليمي، يعزز نجاح القمة من مكانة تركيا كلاعب محوري وجسر يربط بين الشرق والغرب. أما دولياً، فإن زيادة الإنفاق الدفاعي وتأمين الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز سيسهمان في استقرار الأسواق العالمية وحماية سلاسل الإمداد. إن التماسك الذي سيبديه الحلف في مواجهة التحديات الراهنة سيبعث برسالة قوية إلى القوى المنافسة، مؤكداً قدرة الناتو على التكيف وحماية النظام الدولي القائم على القواعد.


