يستعد مسؤولون في حلف الناتو لسيناريوهات محتملة قد تؤدي إلى إحداث شرخ كبير في بنية الحلف العسكرية، وسط مخاوف من أن تسفر انتخابات الرئاسة الفرنسية المقررة في عام 2027 عن صعود رئيس يتبنى موقفاً متشككاً في التحالف الدفاعي الغربي.
تداعيات الانسحاب الفرنسي المحتمل
تثير الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة قلقاً داخل المنظومة الدفاعية، خاصة أن فرنسا تمتلك قدرات عسكرية واستخباراتية واسعة وتساهم بنحو 10% من الميزانية التشغيلية السنوية للحلف البالغة 5.3 مليار يورو. ولا يستطيع الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون الترشح لولاية ثالثة متتالية في الانتخابات المقررة في أبريل 2027، مع احتمال إجراء جولة ثانية في مايو.
وقد ينعكس أي ابتعاد فرنسي عن الهياكل العسكرية على انتشار قواتها في دول الجناح الشرقي، مثل رومانيا حيث تقود باريس مجموعة قتالية تضم 1200 عسكري، بالإضافة إلى وجودها العسكري في إستونيا. كما سيؤثر ذلك على التنسيق العملياتي والاستخباراتي بين الدول الأعضاء.
مواقف القوى السياسية والشارع الفرنسي
تطرح مارين لوبان، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب “التجمع الوطني” والتي تستعد لخوض سباق الرئاسة، خيار إخراج فرنسا من القيادة العسكرية المتكاملة للحلف. في المقابل، يذهب جان لوك ميلانشون، مؤسس حزب “فرنسا الأبية”، إلى موقف أكثر حدة بالدعوة إلى خروج بلاده من الحلف بالكامل.
وتتزامن هذه التوجهات مع انقسام واضح بين الناخبين؛ إذ أظهر استطلاع رأي داخلي أن 54% فقط من الفرنسيين يؤيدون استمرار عضوية بلادهم في حلف الناتو، وهي من أدنى نسب التأييد بين الدول الأعضاء.
القدرات العسكرية والمسار الإجرائي
تتمتع فرنسا بثقل عسكري نوعي يشمل ترسانة نووية، وحاملة الطائرات الوحيدة التي تعمل بالطاقة النووية في أوروبا، وسفناً برمائية من طراز “ميسترال”، إلى جانب قدرات متقدمة في مجالات الأقمار الصناعية والاستطلاع والاستخبارات.
وتشير التقديرات العسكرية إلى أن قرار الانسحاب من القيادة العسكرية المتكاملة يمكن أن يبدأ بقرار رئاسي، لكن تنفيذه عملياً قد يستغرق عاماً كاملاً؛ بسبب الحاجة لإعادة توزيع نحو ألف ضابط فرنسي يعملون بصفة دائمة في مؤسسات الحلف وإنشاء آليات تنسيق جديدة بين باريس والناتو.
سياق تاريخي وتحديات راهنة
لا يعد الابتعاد عن القيادة العسكرية المتكاملة سابقة لباريس؛ إذ انسحبت منها عام 1966 في عهد الرئيس شارل ديغول مع الحفاظ على التعاون المشترك، قبل أن تعود رسمياً عام 2009 إبان رئاسة نيكولا ساركوزي. ويرى منتقدو خيار الانسحاب أن خروج فرنسا سيحرم الحلف من قدرات يصعب تعويضها، في وقت قد تستفيد منه الدول المنافسة للغرب.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات الدفاعية عبر الأطلسي مرحلة حساسة، مع توجه الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب لتقليص جزء من وجودها العسكري في أوروبا، وسعي الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها الدفاعي تحسباً لتصعيد عسكري محتمل مع روسيا.


