شهدت الساحة السياسية في أوروبا الشرقية تطوراً دراماتيكياً غير متوقع، حيث أُعلن رسمياً عن استقالة رئيس وزراء مولدوفا ألكسندر مونتيانو من منصبه بعد مرور تسعة أشهر فقط على توليه رئاسة الحكومة. هذه الخطوة المفاجئة أدخلت البلاد في حالة من الغموض السياسي، وأدت تلقائياً بموجب الدستور المولدوفي إلى استقالة الحكومة بأكملها، مما يضع الرئيسة مايا ساندو وحزبها الحاكم أمام تحدٍّ مصيري لإيجاد بديل قادر على قيادة المرحلة الحساسة المقبلة.
وجاءت الاستقالة عبر بيان نشره مونتيانو (62 عاماً) على منصة “إكس”، أوضح فيه أنه لم يعد قادراً على أداء مهامه بما يتوافق مع مبادئه وقناعاته الشخصية. ورغم أنه لم يكشف عن تفاصيل الخلافات أو الأسباب العميقة التي دفعته لاتخاذ هذا القرار، إلا أنه أكد التزامه بمواصلة خدمة وطنه من أي موقع مستقبلي. يذكر أن مونتيانو، الذي يمتلك خلفية اقتصادية قوية وعمل لنحو عقدين في مؤسسات دولية مرموقة مثل البنك الدولي، كان قد تسلم منصبه في نوفمبر 2025 عقب فوز حزب العمل والتضامن المؤيد للغرب في الانتخابات البرلمانية.
الجذور التاريخية للصراع السياسي في مولدوفا
لتفهم أبعاد هذا الحدث، يجب النظر إلى الجغرافيا السياسية المعقدة لجمهورية مولدوفا، الواقعة بين أوكرانيا ورومانيا. منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي، تعيش البلاد انقساماً هوياتيّاً وسياسياً مستمراً بين تيارين رئيسيين: تيار يتطلع إلى الاندماج الكامل مع المعسكر الغربي والاتحاد الأوروبي، وتيار آخر يميل إلى الحفاظ على علاقات وثيقة مع الاتحاد الروسي. هذا الانقسام لا يقتصر على النخب السياسية بل يمتد إلى التركيبة السكانية، حيث توجد أغلبية ناطقة بالرومانية وأقلية وازنة تتحدث الروسية، مما يجعل أي تغيير حكومي بمثابة إعادة ترتيب لموازين القوى الحساسة.
تداعيات استقالة رئيس وزراء مولدوفا على مسار الانضمام الأوروبي
تكتسب هذه الاستقالة أهمية بالغة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، تفرض استقالة رئيس وزراء مولدوفا على الرئيسة مايا ساندو الدخول في مشاورات عاجلة ومعقدة مع الكتل البرلمانية لتشكيل حكومة جديدة لتفادي الفراغ الدستوري. أما إقليمياً ودولياً، فإن استقرار مولدوفا يعد أمراً حيوياً للاتحاد الأوروبي، لا سيما وأن البلاد حصلت على صفة مرشح رسمي لعضوية الاتحاد وتخوض مساراً إصلاحياً مكثفاً لتسريع الانضمام.
ويرى مراقبون أن هذا الارتباك السياسي قد يستغله المعارضون الموالون لروسيا لعرقلة الإصلاحات المطلوبة من بروكسل، مما قد يؤخر وتيرة الاندماج الأوروبي لمولدوفا في وقت تشهد فيه المنطقة توترات جيوسياسية متصاعدة جراء الحرب المستمرة في أوكرانيا المجاورة. وبالتالي، فإن نجاح كيشيناو في تجاوز هذه الأزمة سريعاً سيكون اختباراً حقيقياً لمدى تماسك الجبهة المؤيدة للغرب وقدرتها على الصمود أمام الضغوط الداخلية والخارجية.


