كشفت تسريبات استخباراتية أمريكية حديثة عن تفاصيل حساسة تتعلق بالقيادة الإيرانية، حيث أشارت التقديرات إلى أن مجتبى خامنئي، الذي تعرض لإصابات بالغة في الأيام الأولى من اندلاع القتال، يلعب دوراً محورياً في صياغة استراتيجية الحرب الحالية. وعلى الرغم من تواريه عن الأنظار، تؤكد التقارير أنه يشارك بفعالية في توجيه بوصلة المفاوضات. ونقلت شبكة “سي إن إن” عن مصادر مطلعة أن هذا الدور الخفي لم يفلح حتى اللحظة في رأب الصدع وإنهاء حالة الانقسام الداخلي في إيران.
السياق التاريخي لصعود مجتبى خامنئي في المشهد الإيراني
لفهم طبيعة الدور الحالي الذي يلعبه مجتبى خامنئي، يجب النظر إلى خلفيته التاريخية والسياسية داخل أروقة النظام الإيراني. لسنوات طويلة، برز اسمه كواحد من أكثر الشخصيات نفوذاً خلف الكواليس، حيث ارتبط بعلاقات وثيقة وممتدة مع الحرس الثوري الإيراني والمؤسسات الأمنية الحساسة. وقد زادت التكهنات حول إعداده لخلافة والده، مما جعل أي تحرك أو غياب له يحمل دلالات سياسية عميقة. هذا النفوذ المتراكم يفسر كيف يمكن لشخصية غير مرئية علناً أن تدير ملفات معقدة مثل مفاوضات إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة الأمريكية.
تفاصيل التقديرات الأمريكية حول إدارة العمليات والمفاوضات
أوضحت التقييمات الاستخباراتية أن المرشد الإيراني الجديد يساهم في توجيه كيفية إدارة المفاوضات مع واشنطن لإنهاء الصراع الدائر. وأفصحت مصادر مطلعة على التقييم أنه يعتمد على أساليب أمنية صارمة؛ فهو لا يستخدم أي وسائل إلكترونية لتجنب الاختراقات، بل يتواصل شخصياً فقط مع دائرة ضيقة ومحصورة جداً من الأشخاص المسموح لهم بزيارته، أو من خلال إرسال رسائل شفهية ومكتوبة عبر وسطاء موثوقين. وتؤكد التقييمات أنه لا يزال في حالة عزلة تامة بينما يتلقى العلاج من إصاباته، والتي شملت حروقاً شديدة في جانب كامل من جسده، أثرت على وجهه وذراعه وجذعه وساقه.
ونظراً لبعده النسبي عن مركز اتخاذ القرار اليومي وصعوبة الوصول إليه إلا بشكل متقطع، فقد تولى كبار قادة الحرس الثوري الإيراني إدارة العمليات الميدانية واليومية، وذلك بالتنسيق مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قليباف. وأضاف مصدر استخباراتي آخر أنه رغم عدم وجود دليل قاطع على إصداره أوامر مستمرة ولحظية، فإنه لا يوجد أيضاً ما يثبت عكس ذلك، مما يبقي المشهد ضبابياً.
التأثير المتوقع للحدث على المستويين الإقليمي والدولي
يحمل هذا التطور الاستخباراتي أهمية كبرى وتأثيراً بالغاً على الساحتين الإقليمية والدولية. فمن الناحية الإقليمية، يؤثر غياب القيادة المباشرة أو إدارتها للأزمات من خلف الستار على شبكة التحالفات والفصائل الموالية لإيران في الشرق الأوسط، مما قد يخلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي. أما دولياً، فإن انخراط شخصية بوزن مجتبى في مفاوضات إنهاء الحرب يعكس رغبة إيرانية في الوصول إلى تسويات حاسمة، لكنه في الوقت ذاته يطرح تساؤلات لدى الإدارة الأمريكية وحلفائها حول مدى التزام طهران بأي اتفاقيات مستقبلية في ظل هذه التعقيدات القيادية.
في هذا السياق، يرى علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، أن النظام الإيراني قد يكون بصدد استخدام اسم مجتبى خامنئي كأداة سياسية للموافقة النهائية على القرارات الكبرى، وليس بالضرورة لإدارة التفاصيل الدقيقة للتفاوض. وأوضح واعظ أن إبراز هذا الدور بشكل متعمد يوفر “غطاءً وقائياً” للمفاوضين الإيرانيين لحمايتهم من الانتقادات الداخلية اللاذعة من قبل التيار المتشدد، خصوصاً أن غيابه عن الساحة العلنية يسمح بنسب المواقف والقرارات إليه دون إمكانية التدقيق المباشر فيها.
الرواية الرسمية الإيرانية: نفي وتقليل من حجم الإصابات
على الجانب الآخر، تسعى طهران جاهدة للتقليل من شأن هذه التسريبات وطمأنة الداخل الإيراني. فقد أكد مظاهر حسيني، رئيس قسم البروتوكول في مكتب المرشد الأعلى الإيراني، أن خامنئي يتعافى بشكل ممتاز من إصاباته وأنه “في صحة تامة الآن”. ولفت حسيني إلى أن الإصابات كانت طفيفة واقتصرت على قدمه وأسفل ظهره، مشيراً إلى أن “شظية صغيرة أصابته خلف الأذن”، ومشدداً على أن الجروح في طور التعافي السريع. وفي خطوة لتعزيز هذه الرواية، كشف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أنه عقد اجتماعاً مطولاً استمر لساعتين ونصف مع خامنئي، في ما يُعد أول لقاء مباشر ومُعلن بين مسؤول إيراني رفيع والمرشد في ظل هذه الظروف الاستثنائية.


