مقدمة: مسيرة حافلة في بلاط صاحبة الجلالة
يُعد الكاتب والصحفي السعودي محمد الغامدي اسماً ثقافياً وازناً لم يغادر خندق الكلمة، بل ظل حاضراً بقوة في بلاط «صاحبة الجلالة». تنقل الغامدي خلال مسيرته المهنية بين كبريات الصحف السعودية مثل «عكاظ»، «البلاد»، و«الشرق»، بالإضافة إلى عمله في قطاع التواصل الحكومي. وبصفته كاتباً محترفاً وعاشقاً للقراءة، تنوعت إنتاجاته بين الرواية والقصيدة الحديثة، متناولاً الشأن العام برؤية وطنية عميقة. في هذا الحوار، نغوص في جوانب من روحه النقية وخفة ظله التي لم تفارقه حتى في أحلك الظروف.
السياق التاريخي: صراع الحداثة والأصالة في المشهد الثقافي السعودي
لفهم التجربة الفكرية للغامدي، يجب العودة إلى حقبة الثمانينيات والتسعينيات الميلادية، وهي الفترة التي شهدت فيها المملكة العربية السعودية حراكاً ثقافياً واسعاً تجلى في السجالات الفكرية بين تيارين رئيسيين: «الحداثة» و«الأصالة». كانت الملاحق الثقافية في الصحف المحلية، مثل جريدة «الندوة» المكية، هي الميدان الحقيقي لهذه النقاشات. وفي هذا السياق، برزت أسماء لامعة مثل الدكتور غازي القصيبي، الذي كان يمثل منارة إشعاع فكري لجيل كامل من الشباب الجامعي والمثقفين، وهو ما انعكس بوضوح على تكوين الغامدي الثقافي خلال دراسته في جامعة أم القرى.
ذكريات الطفولة ورمضان في القرية
يستعيد الغامدي ذكريات الصبا في قريته بمنطقة الباحة، حيث كان الصيام تحدياً يمتزج بالبراءة. يقول إن دافعهم للصيام في الطفولة كان مزيجاً من الخشية والمكايدة الإيجابية بين الإخوة، وتجنباً للقب «كلب رمضان» الذي كان يُطلق توبيخاً على المفطرين. في ذلك المجتمع القروي البسيط، لم يكن مصطلح «الإرهاق» وارداً في قاموس الآباء، بل كان الإصرار والتشجيع هما القاعدة. ورغم الصيام، كانت كرة القدم تستحوذ على نهارهم، حيث كانوا يختلسون قطرات من ماء «الزير» بعيداً عن أعين الأهل لتخفيف وطأة العطش، في مفارقة تعكس براءة تلك المرحلة.
الطقوس الرمضانية: بين التاريخ والمائدة الفرايحية
تتسم طقوس الغامدي الرمضانية بطابع فكري خاص؛ فإلى جانب تلاوة القرآن الكريم، يخصص هذا الشهر حصرياً لقراءة كُتب التاريخ. يرى الغامدي أن رمضان يبعث في النفس حالة تاريخية تتكرر سنوياً، مما يجعله يتمسك بالتاريخ كمرتكز، بينما يعتبر الكتابة في هذا الشهر مجرد «حالة عابرة». وعلى الصعيد الاجتماعي، يفتقد الغامدي والدته (رحمها الله) التي غابت عن مائدة الإفطار هذا العام. ويؤكد على أهمية الأطباق «الفرايحية» (مثل الشوربة والسمبوسة) ليس فقط لقيمتها الغذائية، بل لدورها في تعزيز البهجة وجمع شمل العائلة، وهو أمر بات نادراً في بقية شهور السنة.
مقهى الشربيني ومساجلات الفكر والأدب
يمثل «مقهى الشربيني» في حي العزيزية بمكة المكرمة محطة مفصلية في حياة الغامدي الجامعية. لم يكن مجرد مقهى، بل كان صالوناً ثقافياً غير رسمي لطلاب جامعة أم القرى. هناك، قرأ الغامدي أمهات كتب التراث، وكتاب «الشعر» لأرسطو، ولخص أعمال غازي القصيبي. ويتذكر الغامدي مساجلاته في المقهى مع الراحل محمد المفرجي، الذي كان يدير الملحق الثقافي لجريدة «الندوة» (حاملة لواء الأصالة آنذاك). ورغم أن الغامدي كان طالباً، إلا أنه انخرط في جدالات عميقة حول الحداثة والقصيبي، مما جعل البعض يصنفه ضمن تيار الحداثة، رغم تأكيده على استقلاليته الفكرية.
الصحافة تأكل أبناءها: ضريبة المهنة
يُلخص الغامدي تجربته الطويلة في عالم الصحافة بعبارة قاسية لكنها واقعية: «الصحافة علمتني كيف تأكل القطة أبناءها». يشير هنا إلى الاستنزاف العاطفي والجسدي الذي تفرضه «مهنة المتاعب». ورغم انهيار قواه العاطفية على أبوابها، يعترف بأن الصحافة منحته الكثير بقدر ما أخذت من وقته وجهده وفكره. هذا الاستنزاف يفسر أيضاً تناقص عدد الأصدقاء بمرور الزمن، حيث تتغير القناعات والمراحل، ولا يصمد سوى من يحمل جوهر الصداقة الحقيقي.
تأثير التحول الإعلامي والمشهد الحالي
على الصعيد الإعلامي الحديث، يرى الغامدي أن الإعلام الجديد (منصات التواصل الاجتماعي) قد كسر هيبة وفتنة الإعلام التقليدي، رغم أن الأخير لا يزال يحتفظ بمكانته في وجدانه. ويُشخص الغامدي واقع الفضاء الرقمي بمرارة، مؤكداً أن «ليس كل ما يلمع ذهباً». وينتقد بشدة معظم صناع المحتوى الحاليين، مشيراً إلى افتقارهم للموهبة، واللغة، والثقافة. ويحذر من أن التركيز بات منصباً على «الشكل» والصورة بدلاً من المضمون، مما ينذر بمرحلة مخاض لصحافة تتجه نحو الإثارة السطحية فقط، وهو تحدٍ إقليمي ودولي يواجه مستقبل الإعلام الرصين.


