دخلت مالي مرحلة جديدة من التعقيد السياسي والأمني بعد سلسلة هجمات منسقة وغير مسبوقة استهدفت قلب العاصمة باماكو ومواقع عسكرية استراتيجية، مما يسلط الضوء على تدهور الوضع الأمني في مالي. هذه الهجمات، التي هزت أركان السلطة العسكرية الحاكمة، لم تكشف فقط عن ثغرات أمنية عميقة، بل تزامنت مع تحركات سياسية لافتة، أبرزها الظهور المتأخر لرئيس المجلس العسكري، العقيد أسيمي غويتا، في لقاء مع السفير الروسي، في خطوة تعكس أبعاداً تتجاوز الداخل المالي لتصل إلى صراع نفوذ دولي محتدم على أرض الساحل الأفريقي.
جذور الأزمة: من تمرد الطوارق إلى التحالف مع موسكو
لفهم عمق الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى عام 2012، عندما اندلع تمرد للطوارق في شمال البلاد، وهو التمرد الذي سرعان ما استغلته جماعات جهادية متطرفة للسيطرة على مساحات شاسعة. هذا الانهيار دفع فرنسا للتدخل عسكرياً في عام 2013، لكن على الرغم من سنوات من الوجود العسكري الفرنسي والغربي، استمر العنف في التوسع جنوباً ووصل إلى دول الجوار. أدت حالة عدم الاستقرار المستمرة إلى انقلابين عسكريين في 2020 و2021، أوصلا المجلس العسكري الحالي إلى السلطة. وقد شهدت علاقة المجلس العسكري الجديدة مع الشركاء الغربيين، وخاصة فرنسا، تدهوراً حاداً، بلغ ذروته بانسحاب القوات الفرنسية، مما خلق فراغاً أمنياً سارعت روسيا لملئه عبر مجموعة فاغنر، لتصبح الحليف الأمني الأبرز لباماكو.
تداعيات الهجوم: اهتزاز داخلي وقلق إقليمي
الهجمات الأخيرة، التي تبنتها “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” بالتحالف مع متمردي الطوارق، كشفت عن مستوى جديد من التنسيق والقدرة على ضرب أهداف حساسة في عمق الدولة، مثل القاعدة العسكرية الرئيسية ومحيط مطار باماكو. هذا التطور النوعي في تكتيكات الجماعات المسلحة شكل ضربة قاصمة لهيبة السلطة العسكرية، وأثار تساؤلات حول فعالية الاستراتيجية الأمنية المتبعة بالتعاون مع روسيا. مقتل شخصيات بارزة مثل وزير الدفاع ساديو كامارا في الهجوم، والذي كان يعد من أهم أركان النظام، يمثل صدمة سياسية عنيفة تفتح الباب أمام احتمالات إعادة ترتيب داخلية في بنية الحكم، وتضع المجلس العسكري أمام اختبار صعب للحفاظ على تماسكه في ظل تصاعد التهديدات.
كيف يعزز الوضع الأمني في مالي النفوذ الروسي؟
في توقيت حساس وبعد أيام من الهجمات، كان أول ظهور رسمي للعقيد غويتا عبر لقائه السفير الروسي، إيغور غروميكو. حمل هذا اللقاء رسائل مزدوجة: رسالة داخلية تهدف إلى احتواء تداعيات الهجوم وطمأنة الرأي العام، ورسالة خارجية تؤكد على استمرار الشراكة الاستراتيجية مع موسكو. باتت روسيا الفاعل الأمني الأبرز في البلاد، وهذا الحضور يضع مالي في قلب تنافس جيوسياسي محموم. ففي الوقت الذي يتراجع فيه الدور الغربي، ويتجلى ذلك في تحذيرات فرنسا لرعاياها بمغادرة البلاد، تتعزز بصمة موسكو، ليس فقط في مالي، بل في محور يمتد إلى بوركينا فاسو والنيجر. هذا التحول يثير قلقاً دولياً وإقليمياً، حيث حذرت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي من تداعيات هذا التصعيد على استقرار منطقة الساحل الهشة أصلاً.


