في تصعيد هو الأكبر منذ سنوات، استيقظت مالي على وقع سلسلة هجمات منسقة استهدفت العاصمة باماكو ومواقع عسكرية حيوية، وسط أنباء متضاربة لكنها قوية حول اغتيال وزير الدفاع المالي، العقيد ساديو كامارا، أحد أبرز وجوه المجلس العسكري الحاكم. هذا التطور الدراماتيكي يفتح الباب على مصراعيه أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار في بلد يعاني أصلاً من أزمات متلاحقة، ويثير تساؤلات عميقة حول قدرة السلطات على السيطرة على الوضع الأمني المتدهور.
ووفقاً لتقارير إعلامية متطابقة، فإن كامارا قُتل في انفجار شاحنة مفخخة استهدفت منزله في قاعدة كاتي العسكرية، التي تُعد المركز العصبي للجيش المالي وتقع على بعد كيلومترات قليلة من باماكو. ورغم أن السلطات لم تصدر تأكيداً رسمياً فورياً، فإن الهجمات المتزامنة التي شنتها جماعات مسلحة على مدن رئيسية في الشمال والوسط، مثل كيدال، تؤكد وجود عملية عسكرية واسعة النطاق تهدف إلى زعزعة أركان النظام الحاكم.
جذور الأزمة: من تمرد الطوارق إلى سيطرة المجلس العسكري
لم تكن الأزمة الحالية وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات عقد من الاضطرابات التي بدأت مع تمرد الطوارق في شمال البلاد عام 2012. هذا التمرد خلق فراغاً أمنياً استغلته جماعات جهادية مرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش لتوسيع نفوذها. وعلى الرغم من التدخل العسكري الفرنسي (عملية برخان) والأممي (بعثة مينوسما)، استمرت دوامة العنف في الاتساع، مما أدى إلى تآكل ثقة الشعب في الحكومات المدنية المتعاقبة.
هذا السخط الشعبي مهد الطريق لانقلابين عسكريين في 2020 و2021، أوصلا المجلس العسكري الحالي إلى السلطة. تبنى المجلس الجديد نهجاً سيادياً متشدداً، حيث قام بطرد القوات الفرنسية ودفع بعثة الأمم المتحدة إلى المغادرة، مستعيناً بدلاً من ذلك بمقاتلين من مجموعة فاغنر الروسية. ورغم وعود المجلس باستعادة الأمن، فإن الهجمات الأخيرة تظهر أن الجماعات المسلحة لا تزال تمتلك القدرة على ضرب أهداف استراتيجية في قلب الدولة.
تداعيات محتملة بعد أنباء اغتيال وزير الدفاع المالي
إن تأكيد خبر اغتيال وزير الدفاع المالي سيمثل ضربة قاصمة للمجلس العسكري، ليس فقط لأنه فقد أحد أعمدته الرئيسية، بل لأنه يكشف عن هشاشة استراتيجيته الأمنية. على الصعيد المحلي، قد يؤدي هذا الفراغ إلى تصدعات داخل المؤسسة العسكرية وصراعات على النفوذ، مما يزيد من تعقيد المشهد. أما على الصعيد الإقليمي، فإن تدهور الوضع في مالي ينذر بتداعيات خطيرة على دول الساحل المجاورة، مثل بوركينا فاسو والنيجر، التي تواجه تحديات أمنية مماثلة. هذا التصعيد قد يشجع الجماعات المتطرفة على تكثيف هجماتها عبر الحدود، مهددةً استقرار منطقة غرب أفريقيا بأكملها. دولياً، تدين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي هذا العنف، داعين إلى دعم دولي منسق لمواجهة الخطر المتزايد للإرهاب في الساحل وتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة للسكان المتضررين.


