أعلن الجيش المالي أن الوضع الأمني بات تحت السيطرة الكاملة في أعقاب سلسلة من الهجمات المنسقة التي شنتها جماعات مسلحة تابعة لمتمردي الطوارق على خمس مدن وبلدات استراتيجية في شمال ووسط البلاد. وتأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة لتضع المجلس العسكري الحاكم أمام اختبار أمني جديد، وسط تقارير عن سماع دوي انفجارات وإطلاق نار كثيف في عدة مناطق، لا سيما بلدة “أنيفيس” التابعة لإقليم كيدال المضطرب، والتي تشهد انتشاراً مشتركاً للقوات الحكومية وعناصر من القوات شبه العسكرية الروسية المعروفة بـ “فيلق أفريقيا”.
تفاصيل الهجمات الأخيرة ومواجهات الشمال المالي
أفاد المتحدث باسم جبهة تحرير أزواد، محمد المولود رمضان، بأن مقاتلي الجبهة شنوا هجوماً مباغتاً على بلدة أنيفيس الواقعة في منطقة كيدال شمال شرقي مالي. وتعد هذه المنطقة نقطة ارتكاز رئيسية للقوات المالية وحلفائها الروس الذين انتشروا هناك لتعزيز الأمن عقب هجمات سابقة. وفي الوقت ذاته، شهدت مدينة “جاو” وسط البلاد قصفاً صاروخياً واشتباكات بالأسلحة الثقيلة استهدفت معسكراً تابعاً للجيش، مما يعكس اتساع رقعة العمليات العسكرية وتعدد جبهات المواجهة التي تخوضها القوات المسلحة في مالي ضد الحركات الانفصالية والجماعات المتشددة.
الجذور التاريخية للصراع وتحركات الجيش المالي في الساحل
يمتد الصراع في شمال مالي إلى عقود من الزمن، حيث يطالب متمردو الطوارق بالحكم الذاتي أو الاستقلال لإقليم “أزواد”. وتعتبر مدينة كيدال، التي يقطنها نحو 55 ألف نسمة غالبيتهم من الطوارق، الرمز التاريخي والمعقل الأساسي لهذه الحركة الاحتجاجية والمسلحة. وظلت المدينة خارج سيطرة الدولة لأكثر من عشر سنوات حتى تمكن الجيش المالي، مدعوماً بمقاتلي “فيلق أفريقيا” الروسي، من استعادتها في أواخر عام 2023. وتكتسب كيدال أهمية استراتيجية واقتصادية فائقة نظراً لموقعها الجغرافي القريب من الحدود مع النيجر، واحتوائها على ثروات طبيعية هائلة مثل الذهب والمعادن النفيسة، مما يجعل السيطرة عليها هدفاً حيوياً لجميع الأطراف المتصارعة.
تداعيات التصعيد العسكري وتأثيره الإقليمي والدولي
تتجاوز تداعيات هذا التصعيد العسكري الحدود الجغرافية لجمهورية مالي لتلقي بظلالها على منطقة الساحل الأفريقي بأكملها. محلياً، يواجه المجلس العسكري ضغوطاً متزايدة لتأمين العاصمة باماكو والمناطق الحيوية، خاصة بعد الهجمات الجريئة التي استهدفت مطار العاصمة في وقت سابق. إقليمياً، يؤثر هذا الاضطراب على استقرار دول الجوار مثل النيجر وبوركينا فاسو، واللتين تشكلان مع مالي “تحالف دول الساحل” لمكافحة الإرهاب. دولياً، يمثل الحضور الروسي المتنامي عبر “فيلق أفريقيا” محوراً للتنافس الجيوسياسي المحتدم بين موسكو والقوى الغربية، حيث تسعى روسيا لتثبيت أقدامها في المنطقة وتقديم الدعم اللوجستي والعسكري للحكومة المالية لمنع أي محاولات لزعزعة الاستقرار. كما يتفاقم الوضع الإنساني مع تدفق آلاف النازحين الفارين من بطش تنظيم “داعش” الإرهابي في مناطق مثل “ميناكا”، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليات إنسانية وأمنية جسيمة.


