لم يكد يجف حبر اتفاق الإطار الثلاثي الذي تم التوصل إليه بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية في واشنطن، حتى وجد نفسه في قلب عاصفة سياسية داخلية عنيفة في بيروت، مهددة بنسفه قبل أن يبدأ تنفيذه. فما كان يُقدَّم على أنه إنجاز دبلوماسي محتمل، تحول في غضون ساعات إلى عنوان لانقسام حاد يعكس هشاشة التوازنات السياسية اللبنانية، ويطرح تساؤلات جدية حول مصير هذه التسوية الشائكة.
خلفية تاريخية لصراع ممتد
تعود جذور الصراع بين لبنان وإسرائيل إلى عام 1948، ومنذ ذلك الحين، بقيت حالة الحرب قائمة بين البلدين، تفصل بينهما “اتفاقية الهدنة” لعام 1949. وعلى مر العقود، شهدت الحدود توترات وحروباً متعددة، أبرزها الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 الذي أفضى إلى “اتفاق 17 أيار 1983″، وهو الاتفاق الذي أُسقط تحت ضغط شعبي وسياسي كبير ولا يزال يمثل سابقة حساسة في الذاكرة اللبنانية. يأتي اتفاق الإطار الجديد في سياق مختلف، حيث يعاني لبنان من انهيار اقتصادي هو الأسوأ في تاريخه، ما يجعل أي مبادرة تحمل وعوداً بالدعم المالي والاستقرار ذات جاذبية للسلطة الرسمية، ولكنه في الوقت نفسه يضعها في مواجهة مباشرة مع قوى سياسية وازنة تعتبر أي تسوية مع إسرائيل تنازلاً عن مبادئ أساسية.
بنود الاتفاق وتداعياته المحتملة على الساحة اللبنانية
يهدف الاتفاق، بحسب التسريبات، إلى تحقيق انسحاب إسرائيلي متدرج مقابل تفكيك البنية العسكرية لـ”حزب الله” وبسط سيادة الدولة اللبنانية عبر جيشها على كامل أراضيها. وتتضمن الرؤية الأمريكية تحويل دور واشنطن من وسيط إلى ضامن للتنفيذ، مع حزمة مساعدات مالية وعسكرية مشروطة. من شأن نجاح هذا المسار أن يفتح الباب أمام استعادة لبنان للدعم الدولي والعربي، وتخفيف حدة الأزمة الاقتصادية. إلا أن هذا السيناريو المتفائل يصطدم بواقع سياسي معقد، حيث يرى “حزب الله” وحلفاؤه في الاتفاق محاولة لنزع سلاح المقاومة تحت غطاء دولي، وسحب الملف اللبناني من دائرة النفوذ الإيراني وربطه بالمصالح الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة، وهو ما يعتبرونه خطاً أحمر.
جبهة الرفض الداخلية ومصير اتفاق الإطار
قاد رئيس مجلس النواب نبيه بري جبهة الرفض بشكل صريح، واصفاً الاتفاق بأنه “أسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 أيار”، ومؤكداً أنه “لن يمر ولن يُنفذ”. وتعتمد استراتيجية بري على إفشال الاتفاق من الداخل عبر المؤسسات، مدركاً أن أي تعثر في مسار نزع السلاح سيجمد التزامات الانسحاب الإسرائيلي. أما “حزب الله”، ورغم إعلانه الحرب على ما وصفه بـ”اتفاق الذل والعار”، فإنه يبدو حذراً في حساباته لتجنب الانجرار إلى صدام أهلي. في المقابل، يرى الفريق الداعم للاتفاق، المتمثل في الرئاسة والحكومة، أنه فرصة لإعادة تفعيل دور الدولة واستعادة الدعم الخارجي. هذا الانقسام الحاد يضع اتفاق الإطار أمام اختبار وجودي، حيث أصبحت معركة تنفيذه على الأرض اللبنانية أكثر تعقيداً وشراسة من معركة التوقيع عليه في واشنطن، ليبقى مصيره معلقاً بين ضغوط الخارج وانقسامات الداخل.


