في واقعة تعكس حساسية المشهد اللبناني، تسبب مقطع كرتوني يثير أزمة في لبنان في إشعال موجة واسعة من التوتر الطائفي والسياسي، ما دفع رئيس الجمهورية آنذاك، ميشال عون، إلى التدخل شخصياً في محاولة لنزع فتيل الفتنة والحفاظ على الوحدة الوطنية. الفيديو الساخر، الذي بثته قناة LBC اللبنانية، لم يكن مجرد مادة فكاهية عابرة، بل تحول إلى شرارة كشفت عن عمق الانقسامات التي تعصف بالبلاد في ظل ظروف اقتصادية وسياسية متأزمة.
المقطع الكرتوني، الذي جاء ضمن برنامج ساخر، استوحى فكرته من لعبة الفيديو الشهيرة “Angry Birds”. وصوّر الفيديو عناصر من “حزب الله” على هيئة طيور غاضبة ترتدي عتاداً عسكرياً، يقودها طائر يرتدي عمامة في إشارة إلى نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم. تهاجم هذه الطيور ما وُصف بـ”قرية الخنازير”، في تلميح ساخر إلى إسرائيل، لكنها تفشل في مهمتها وتتعرض لقصف جوي يدمرها ويسقطها في حفرة.
أبعاد الأزمة في سياق لبناني معقد
لم يمر المقطع مرور الكرام، حيث أثار استياءً وغضباً عارماً في صفوف أنصار “حزب الله” ومؤيدي المقاومة، الذين اعتبروه إهانة مباشرة لتضحيات مقاتلي الحزب وتقليلاً من شأن دورهم العسكري. وسرعان ما انتقل الجدل من الشاشات إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث انطلقت حملات إلكترونية مضادة لم تقتصر على انتقاد القناة التلفزيونية، بل تطورت إلى هجوم شخصي وطائفي مسّ رموزاً دينية مسيحية، على رأسها البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، مما أضفى على الأزمة بعداً طائفياً خطيراً.
تأتي هذه الحادثة لتؤكد على مدى هشاشة السلم الأهلي في لبنان، البلد الذي لا يزال يحمل ندوب حرب أهلية طاحنة (1975-1990) قامت على أسس طائفية. إن الذاكرة الجماعية اللبنانية مثقلة بالصراعات، وأي خطاب يُفهم على أنه استهداف لطائفة أو رمز من رموزها يمكن أن يعيد إحياء مخاوف قديمة ويؤجج التوترات. فالتوازن الدقيق الذي يقوم عليه النظام السياسي اللبناني، والمبني على تقاسم السلطة بين الطوائف، يجعله عرضة للاهتزاز بفعل حوادث كهذه، خاصة في ظل الاستقطاب السياسي الحاد الذي يشهده البلد.
مقطع كرتوني يثير أزمة في لبنان ويتطلب تدخلاً رئاسياً
أمام هذا التصعيد الخطير، جاء تدخل الرئيس ميشال عون ليعبر عن حجم القلق في أعلى هرم السلطة. وأدان عون بشدة “التعرض لرؤساء الطوائف والمقامات الروحية”، مؤكداً أن القادة الروحيين يمثلون قيمة وطنية تتجاوز البعد الديني. ودعا الرئيس جميع الأطراف إلى الترفع عن الإساءات الشخصية وإبقاء الخلافات في إطارها السياسي، مشدداً على أن القوانين اللبنانية تجرّم مثل هذه الأفعال وتحاسب مرتكبيها، في رسالة واضحة لضرورة حماية الوحدة الوطنية.
من جانبه، أصدر “حزب الله” بياناً اعتبر فيه أن الفيديو يهدف إلى “إثارة الفتنة” ويتجاوز حدود الاختلاف السياسي إلى “إساءات رخيصة”. ودعا الحزب جمهوره إلى عدم الانجرار وراء الاستفزازات، مؤكداً أن مثل هذه المحاولات تخدم “أعداء المقاومة وأعداء لبنان”. تكشف هذه الحادثة عن التحدي الكبير الذي يواجه حرية الإعلام والتعبير في لبنان، حيث يتقاطع النقد السياسي مع الخطوط الحمراء الطائفية والدينية، مما يجعل السخرية السياسية مغامرة محفوفة بالمخاطر قد تهدد الاستقرار العام.


