يُعد القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء اللبناني برئاسة الرئيس جوزيف عون، اليوم (الإثنين)، بشأن حظر أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية، نقطة تحول جذرية في مسار السياسة اللبنانية. هذا القرار لم يأتِ كرد فعل انفعالي على حادثة أمنية عابرة، بل جاء كخطوة سياسية مدروسة ومقصودة لمواجهة مسار تصاعدي بدأ منذ اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تضع حداً لسنوات من الغموض البناء حول دور السلاح خارج إطار الدولة.
جذور الأزمة: صراع السيادة وازدواجية السلاح
لفهم عمق هذا القرار، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي الذي حكم المشهد اللبناني منذ انتهاء الحرب الأهلية واتفاق الطائف. لطالما عانى لبنان من إشكالية «ازدواجية السلطة»، حيث تعايشت الدولة الرسمية مع قوى أمر واقع تمتلك ترسانة عسكرية ضخمة. وعلى الرغم من صدور قرارات دولية مثل القرار 1559 والقرار 1701 التي دعت بوضوح إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، إلا أن الحكومات المتعاقبة كانت تلجأ غالباً إلى صيغ تسووية في بياناتها الوزارية تحت شعار «الجيش والشعب والمقاومة». اليوم، يكسر هذا القرار تلك الحلقة المفرغة، معيداً الاعتبار لمفهوم الدولة السيدة التي تحتكر قرار الحرب والسلم.
تحول استراتيجي في مسار الدولة
خلال المرحلة الماضية، أخذت معادلة الدولة تتعرض لاختبار مستمر، مع خطابات حزب الله التصعيدية والمتكررة والإيحاءات بأن السلاح خارج المؤسسات يشكل ضمانة الكيان. أمام هذا الواقع، وُضعت الحكومة ورئيسها الفعلي دستورياً أمام خيارين: إما تثبيت مرجعية الدولة عملياً، أو التسليم بتآكلها التدريجي. في هذا الإطار، يكتسب قرار مجلس الوزراء أهميته المفصلية. للمرة الأولى، تتخذ حكومة لبنانية قراراً صريحاً بحظر النشاطات العسكرية والأمنية للحزب، وحصر دوره في الإطار السياسي الخاضع للقانون. هذه ليست صياغة نظرية، بل إعلاناً سياسياً تتحمل مسؤوليته السلطة التنفيذية مجتمعة، وفي مقدمتها رئيس الجمهورية الذي يرأس المجلس ويوقّع مراسيمه.
تداعيات حظر أنشطة حزب الله محلياً ودولياً
يحمل قرار حظر أنشطة حزب الله أبعاداً تتجاوز الحدود الجغرافية للبنان. على الصعيد المحلي، يُتوقع أن يُسهم هذا الحزم في استعادة ثقة المستثمرين والقطاع الاقتصادي بمؤسسات الدولة، حيث يعتبر الاستقرار الأمني ووحدة القرار السياسي ركيزة أساسية لأي نهوض اقتصادي. أما إقليمياً ودولياً، فإن هذه الخطوة تعيد تقديم لبنان كدولة مسؤولة تلتزم بتعهداتها الدولية، مما قد يفتح الباب واسعاً أمام عودة العلاقات الطبيعية مع دول الخليج العربي والمجتمع الدولي، التي طالما اشترطت بسط سيادة الدولة للحصول على الدعم المالي والسياسي.
امتحان التنفيذ والمسؤولية التاريخية
جرأة القرار لا تُقاس بعبارته، بل بطبيعته. فمجلس الوزراء، برئاسة الرئيس عون، لم يواجه حزباً سياسياً عادياً، بل واجه معادلة مسلحة رافقت الحياة السياسية اللبنانية لسنوات. لذلك فإن تبني الحكومة رسمياً مبدأ «حظر» النشاطات العسكرية والأمنية خارج الدولة يعني إعادة ترسيم حدود السلطة بين الدولة وأي قوة أخرى. هنا تحديداً يُعطى الرئيس حقه: لأنه قبل أن يضع عهده في موقع الاختبار، بدلاً من الاكتفاء بإدارة التوازنات.
القرار حصد اصطفافاً سياسياً واسعاً داخل الحكومة وخارجها، ما يعكس إدراكاً بأن ما جرى ليس خلافاً حزبياً، بل مسألة سيادة. فمن دون مرجعية واحدة للسلاح، لا يمكن للدولة أن تفاوض، أو أن تطلب دعماً دولياً، أو أن تدّعي قدرتها على حماية اللبنانيين من تداعيات صراع إقليمي مفتوح. لكن الأهمية التاريخية لا تُمنح سلفاً؛ فقرار مجلس الوزراء يضع الدولة مجتمعة أمام امتحان التنفيذ. فإذا نجحت الحكومة في ترجمة هذا الموقف إلى خطوات عملية، يكون الرئيس عون قد ثبّت موقع الدولة كمرجعية نهائية، وإذا تعثّر التنفيذ، يتحول القرار إلى محطة سياسية عابرة.


