استفاق لبنان على مشهد سياسي وميداني مغاير، فبينما كانت العاصمة بيروت تلملم جراح “ليلة الأربعاء الدامية” إثر التصعيد الإسرائيلي العنيف، شهد قصر بعبدا ولادة موقف رسمي حازم يهدف إلى ترسيخ السيادة اللبنانية. وفي جلسة استثنائية لمجلس الوزراء، طغى عليها أزيز الطائرات الحربية التي لم تفارق الأجواء، تم رسم خارطة طريق جديدة تضع الدولة في واجهة المشهد السياسي والميداني، بقيادة رئيس الحكومة نواف سلام وقائد الجيش العماد جوزيف عون، في رسالة واضحة بأن قرار السلم والحرب يجب أن يعود لمؤسسات الدولة الشرعية.
جذور الأزمة ومساعي استعادة هيبة الدولة
لم يكن هذا الموقف وليد اللحظة، بل جاء تتويجاً لمسار طويل من التحديات التي واجهت الدولة اللبنانية على مدار عقود. تاريخياً، عانى لبنان من تعدد مصادر القرار الأمني والسياسي، مما أضعف موقف الحكومة المركزية في المحافل الدولية. ومنذ توقيع “اتفاق الطائف” الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، كان المطلب الأساسي هو حصر السلاح بيد القوات الشرعية وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. ومع تكرار الأزمات والحروب، باتت الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لتفعيل بنود هذا الاتفاق التاريخي، لضمان عدم انزلاق البلاد إلى صراعات مدمرة تخرج عن سيطرة المؤسسات الرسمية.
حصرية التفاوض وحماية السيادة اللبنانية
في مستهل الجلسة الحكومية، وبنبرة حازمة تعكس خطورة المرحلة، تم التأكيد على انتهاء زمن “بيانات الاستنكار” التي لم تعد تجدي نفعاً في حماية المدنيين العزل. ووجهت القيادة اللبنانية رسالة مزدوجة للداخل والخارج، مفادها أن الدولة اللبنانية بكيانها ومؤسساتها هي الجهة الوحيدة المخولة بإجراء المفاوضات. وشدد المسؤولون على رفض أي وصاية على القرار الوطني، مؤكدين أن لبنان يمتلك القدرات الدبلوماسية اللازمة للتفاوض أسوة بباقي القوى الإقليمية، ولا يقبل بأن يفاوض أي طرف آخر نيابة عنه، مما يعكس توجهاً جاداً نحو استقلالية القرار الوطني.
ولم تغفل القيادة اللبنانية الإشادة بالجهود الجبارة التي بذلتها الوزارات والأجهزة الأمنية، وفوج الإطفاء، والدفاع المدني، والصليب الأحمر اللبناني. فقد سطر هؤلاء “ملحمة إنسانية” حقيقية تحت الأنقاض، حيث ساهم التضامن والتنسيق العالي بين مختلف أجهزة الدولة في احتواء تداعيات العدوان الإسرائيلي والتخفيف من وطأة الكارثة التي استهدفت المدنيين الآمنين في منازلهم.
تداعيات القرار: بيروت عاصمة للشرعية وتأثيرات إقليمية
عقب انتهاء المداولات، أعلن رئيس الحكومة نواف سلام عن مقررات مصيرية تشكل نقطة تحول في مسار الأزمة. على الصعيد الدبلوماسي، تقرر تصعيد الموقف عبر تقديم شكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي ضد المجزرة الأخيرة، باعتبارها خرقاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني وضرباً للجهود الدولية الرامية لوقف إطلاق النار. أما على الصعيد الميداني، وهو الحدث الأبرز، فقد صدرت أوامر فورية للجيش والقوى الأمنية ببسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت، وحصر السلاح فيها بيد القوات الشرعية فقط.
يحمل هذا التوجه الأمني الميداني أهمية بالغة وتأثيراً متوقعاً يمتد من المستوى المحلي إلى الإقليمي والدولي. محلياً، تعتبر هذه الخطوة التنفيذية حاسمة لضمان أمن المواطنين وممتلكاتهم، مع التشدد في ملاحقة المخالفين وإحالتهم إلى القضاء، لتكون العاصمة منطلقاً لاستعادة هيبة الدولة. إقليمياً ودولياً، يبعث هذا القرار برسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن لبنان جاد في تنفيذ التزاماته الدولية، وتحديداً القرارات الأممية ذات الصلة، مما قد يفتح الباب أمام دعم دولي أوسع للبنان في مساعيه الدبلوماسية لوقف العدوان وإرساء استقرار مستدام في المنطقة.


