كشفت مصادر مطلعة عن ترتيبات دبلوماسية رفيعة المستوى لإتمام زيارة الرئيس اللبناني للبيت الأبيض في الحادي والعشرين من يوليو الجاري، وذلك في توقيت بالغ الحساسية تشهده المنطقة. تأتي هذه الزيارة المرتقبة وسط تجاذبات سياسية وميدانية مكثفة، وتحديداً فيما يتعلق بملف المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل بشأن ترسيم الحدود والترتيبات الأمنية، حيث ترفض بيروت بشكل قاطع أي محاولات لتغيير مسار هذه المحادثات أو نقلها خارج الرعاية الدولية المعتادة.
أبعاد زيارة الرئيس اللبناني للبيت الأبيض وموقف بيروت من مقترح روما
وفقاً للمصادر، فقد عرضت واشنطن على الجانب اللبناني نقل جولة المفاوضات السادسة المقررة مع إسرائيل إلى العاصمة الإيطالية روما. غير أن الموقف اللبناني جاء حاسماً بالرفض؛ حيث ترى بيروت في هذا المقترح استجابة لرغبة إسرائيلية واضحة في التحرر من الضغوط التي تمارسها الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة دونالد ترامب للتوصل إلى اتفاق عادل. وتسعى إسرائيل، بحسب مراقبين، إلى صياغة اتفاق ثنائي مباشر مع لبنان يقلص الدور الأمريكي إلى حده الأدنى، وهو ما ترفضه الدولة اللبنانية التي تتمسك بالوساطة الأمريكية الكاملة والغطاء الأممي لضمان حقوقها السيادية.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار المماطلة الإسرائيلية في تطبيق التفاهمات المتعلقة بالمناطق التجريبية، ومواصلة عمليات تفريغ المناطق الجنوبية، فضلاً عن التهديدات الإسرائيلية برفع دعاوى قضائية أمام المحاكم الأمريكية تتهم فيها لبنان بإيواء منظمات تصنفها إرهابية، في محاولة للضغط على المفاوض اللبناني.
السيادة اللبنانية وحصرية السلاح بيد الدولة
تاريخياً، شكلت الحدود الجنوبية للبنان ساحة للصراع والتوترات المستمرة، حيث يسعى لبنان دائماً لتثبيت حدوده البرية والبحرية وفقاً للمواثيق الدولية وبما يحمي ثرواته الطبيعية من النفط والغاز. وفي هذا السياق، دان الرئيس اللبناني الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والانتهاكات المستمرة للسيادة اللبنانية، مجدداً دعوته للمجتمع الدولي للتدخل والضغط على تل أبيب لاحترام اتفاقات وقف إطلاق النار الموقعة.
وخلال لقائه الموسع مع وفود سياسية واقتصادية ضمت حزب “الوطنيين الأحرار”، وجمعية مصارف لبنان، وحركة “التغيير”، شدد الرئيس اللبناني على ثوابت الدولة في هذه المرحلة الحرجة. وأكد بوضوح أنه لن يقبل تحت أي ظرف من الظروف أن تفاوض أي جهة نيابة عن الدولة اللبنانية، مشيراً إلى أن لبنان نجح في انتزاع اعتراف واضح بعدم وجود أي مطامع إسرائيلية في الأراضي اللبنانية.
انطلاق قطار الدولة وفرض هيبة القانون
على الصعيد الداخلي والإقليمي، تحمل تصريحات الرئيس اللبناني رسائل قوية تؤكد بدء مرحلة جديدة من الاستقرار وبناء المؤسسات. حيث أعلن أن “قطار الدولة قد أقلع بالفعل”، مشدداً على أن قرار حصرية السلاح بيد القوى الأمنية والعسكرية الشرعية للدولة اللبنانية سيتم تنفيذه بالكامل وبدون تراجع.
ويرى خبراء الشؤون السياسية أن هذا التوجه يمثل ركيزة أساسية لاستعادة ثقة المجتمع الدولي والاقتصادي في لبنان، خاصة في ظل الأزمات المالية الراهنة. إن تحقيق مصلحة الشعب اللبناني تكمن في قيام دولة قوية قادرة على بسط سيادتها وحماية حدودها، وهو ما سيكون محوراً رئيسياً للنقاش خلال القمة المرتقبة في واشنطن، والتي يتوقع أن تسفر عن تفاهمات هامة تدعم استقرار لبنان سياسياً واقتصادياً على المدى الطويل.


