تتجه أنظار المجتمع الدولي والمراقبين السياسيين نحو العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث من المرتقب أن تنطلق يوم الثلاثاء القادم محادثات لبنانية إسرائيلية مباشرة في خطوة توصف بالتاريخية والاستثنائية. وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تسريبات نشرها موقع «أكسيوس» الأمريكي، والتي كشفت عن اختيار السفيرة اللبنانية لدى واشنطن، ندى معوّض، للمشاركة بفعالية ضمن الوفد اللبناني. ينعقد هذا اللقاء في ظل تصعيد ميداني مستمر في جنوب لبنان وضغوط إقليمية بالغة التعقيد، مما يضع المنطقة بأسرها أمام مفترق طرق حاسم.
جذور الصراع وأول محادثات لبنانية إسرائيلية مباشرة منذ عقود
تكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تمثل أول تواصل دبلوماسي مباشر من نوعه بين البلدين منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991. تاريخياً، لم يوقع لبنان وإسرائيل على أي معاهدة سلام، ولا يزال البلدان رسمياً في حالة حرب منذ عام 1948، تتخللها اتفاقيات هدنة مثل اتفاقية 1949 وترتيبات أمنية غير مباشرة. ورغم نجاح الوساطة الأمريكية في عام 2022 في إنجاز اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين الجانبين، إلا أن ذلك تم عبر مفاوضات غير مباشرة. واليوم، يمثل الجلوس على طاولة واحدة تحولاً جذرياً في مسار العلاقات المتوترة.
أشارت مصادر إعلامية إلى أن السفيرة اللبنانية ندى معوض بادرت، خلال اتصال هاتفي مع السفير الإسرائيلي لدى واشنطن مايكل هرتسوغ، بطلب وقف إطلاق النار كبادرة حسن نية لتمهيد الطريق أمام الدبلوماسية. وقد أكدت هيئة البث العبرية أن سفيري البلدين سيشاركان وجهاً لوجه في هذه المفاوضات، مما يمثل كسراً للجمود الدبلوماسي الطويل.
التداعيات الإقليمية والدولية لمسار التفاوض الجديد
تأتي هذه التحركات في وقت حساس للغاية، حيث أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توجيه حكومته لفتح مفاوضات مباشرة مع لبنان في أسرع وقت ممكن. وتتركز المطالب الإسرائيلية حول ملفات أمنية حساسة، أبرزها المطالبة بنزع سلاح «حزب الله» وإبعاده عن الحدود، إلى جانب إرساء ترتيبات تهدئة طويلة الأمد تضمن عودة المستوطنين الإسرائيليين إلى منازلهم في الشمال.
في المقابل، يشدد الموقف اللبناني الرسمي على أن أي مسار تفاوضي يجب أن تقوده الدولة اللبنانية حصراً، في إشارة واضحة إلى رفض أي أدوار خارج الإطار الرسمي والمؤسساتي، مع التمسك بالقرارات الدولية ذات الصلة. إن نجاح أو فشل هذه المفاوضات لن يقتصر تأثيره على الداخل اللبناني أو الإسرائيلي فحسب، بل سيمتد ليشمل الاستقرار الإقليمي بأسره، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، مما يجعل التدخل الأمريكي والدولي حاسماً لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
التصعيد الميداني يلقي بظلاله على طاولة الحوار
تتزامن هذه التحركات السياسية مع واقع ميداني شديد التوتر. فقد شهد جنوب لبنان غارات جوية إسرائيلية متتالية وعنيفة أسفرت عن سقوط العديد من الضحايا وتدمير واسع، في حين تستمر العمليات العسكرية المضادة، مما يعكس هشاشة الوضع الأمني. وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، يسود هدوء حذر مشوب بالترقب الواسع لنتائج اجتماع واشنطن، والذي يُنظر إليه كفرصة لاحتواء التصعيد المتدحرج.
ندى معوّض: خبرة اقتصادية دولية في خدمة الدبلوماسية
إن اختيار ندى معوّض للقيام بدور بارز في الوفد اللبناني يمنح المفاوضات بُعداً مختلفاً، بالنظر إلى خلفيتها الاقتصادية والدولية الواسعة. عُيّنت معوّض سفيرة للبنان لدى الولايات المتحدة ضمن حزمة تعيينات دبلوماسية طال انتظارها، لتكون أول امرأة تمثل لبنان في واشنطن.
تمتلك معوّض خبرة تمتد لأكثر من عقدين في مجالات السياسات الاقتصادية والتمويل الدولي. شغلت مناصب رفيعة في مجموعة البنك الدولي، أبرزها كبيرة الاقتصاديين ومديرة في نيابة اقتصاديات التنمية. قادت خلال مسيرتها ملفات معقدة مثل شفافية الديون واستدامتها، وقضايا الاقتصاد الكلي كالتضخم والأمن الغذائي، وشاركت في مفاوضات إعادة هيكلة الديون السيادية ضمن إطار مجموعة العشرين.
وقبل انخراطها في العمل الدبلوماسي، كانت شريكة مؤسسة ومديرة مالية لشركة متخصصة في الاستثمار الصحي، حيث أدارت إستراتيجيات التمويل وعمليات الاندماج والاستحواذ. كما عملت ضمن منظومة الأمم المتحدة، وأسهمت في برامج التنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إضافة إلى مشاركتها الفاعلة في ملفات التعافي الاقتصادي في لبنان، مما يجعلها شخصية قادرة على إدارة هذا الاختبار المعقد بين السياسة والميدان.


