شهد الجنوب اللبناني تصعيداً عسكرياً خطيراً يهدد بتقويض الجهود الدبلوماسية الرامية لإبرام اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، حيث أعلن الجيش اللبناني عن مقتل عدد من عسكرييه، بينهم ضابطان، إثر غارة إسرائيلية استهدفت آلية عسكرية على طريق الخردلي-النبطية. يأتي هذا الاستهداف المباشر للمؤسسة العسكرية اللبنانية في وقت حساس للغاية، حيث تتكثف المساعي الدولية والإقليمية لوضع حد للعمليات القتالية المستمرة وتجنب انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
استهداف مباشر للجيش اللبناني وتصعيد الغارات الإسرائيلية
أوضح بيان رسمي صادر عن قيادة الجيش اللبناني أن الغارة الإسرائيلية التي وصفتها بالهمجية استهدفت بشكل مباشر آلية عسكرية أثناء قيامها بمهامها الميدانية على طريق الخردلي في قضاء النبطية. ولم تقتصر الهجمات الإسرائيلية على هذا الحادث فحسب، بل شنت الطائرات الحربية سلسلة غارات مكثفة طالت بلدات وقرى متعددة في جنوب لبنان والبقاع الغربي، من بينها بلدتا يحمر وجرنايا في منطقة جزين.
وتأتي هذه التطورات الميدانية الدامية بعد يوم واحد من سقوط نحو 21 قتيلاً في غارات متفرقة، شملت عضواً في المجلس البلدي لمدينة صيدا، وطفلين سوريين كانا يستقلان دراجة نارية مع والدهما في النبطية، بالإضافة إلى مسعف في بلدة زبدين المجاورة استُهدفت سيارته أثناء محاولته إيصال المساعدات الغذائية والخبز لعائلة محاصرة تحت القصف.
عقبات سياسية تواجه اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان
على الصعيد السياسي، تبدو آفاق الحل الدبلوماسي معقدة في ظل تباين المواقف بين الأطراف المعنية. فقد صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لأعضاء حكومته بأن اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان “لم يُصغ بالكامل بعد”، مشيراً إلى أن إسرائيل ترى أن حزب الله يبدي معارضة لبعض البنود الجوهرية، مما يعني عدم وجود اتفاق فعلي حتى اللحظة من وجهة النظر الإسرائيلية. وأكد نتنياهو أن المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية لم تتلقَ أي تعليمات بوقف العمليات، مما يعني استمرار الهجمات على وتيرتها الحالية دون تغيير.
موقف بيروت وانتقاد “الاتفاق الهجين”
في المقابل، وجه رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري انتقادات لاذعة للمقترح الأمريكي الحالي، واصفاً إياه بـ “الاتفاق الهجين”. وأوضح بري في بيان مكتوب وزعه مكتبه، أن لبنان يبدي مرونة بشأن انسحاب المسلحين إلى شمال نهر الليطاني، لكنه يشترط أن يتزامن ذلك بشكل متوازٍ مع انسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية التي تحتلها. وشدد بري على أن أي اتفاق حقيقي يجب أن يتضمن وقفاً فورياً وغير مشروط لإطلاق النار يشمل العمليات البرية والبحرية والجوية، دون المساس بالسيادة اللبنانية أو تدمير البنية التحتية للبلاد.
الأبعاد الإقليمية والدولية للتصعيد في جنوب لبنان
تاريخياً، يمثل الجنوب اللبناني بؤرة صراع مستمر منذ عقود، حيث تتداخل الحسابات المحلية بالإقليمية والدولية بشكل معقد. إن استهداف الجيش اللبناني – الذي يُنظر إليه محلياً ودولياً كضامن للاستقرار الوطني والمؤسسة الشرعية المؤهلة لبسط السيادة جنوب الليطاني وفق القرار الدولي 1701 – يحمل تداعيات خطيرة على مستقبل أي تسوية سياسية. إقليمياً، يهدد استمرار التصعيد بتوسيع رقعة المواجهة وجر أطراف أخرى إلى النزاع، في حين تسعى القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب، إلى فرض تهدئة تضمن أمن الحدود وتمنع الانهيار الكامل للمؤسسات اللبنانية.


