لا يمكن النظر إلى مسودة الاتفاق النووي التي سربها موقع “أكسيوس” بوصفها نصاً نهائياً، بل هي في جوهرها خارطة طريق أمريكية لاختبار سقف التفاوض مع طهران في لحظة إقليمية ودولية حرجة. إن الكشف عن بنود تقنية معقدة، مثل تجميد تخصيب اليورانيوم لمدة 12 عاماً، في توقيت يشهد توتراً ملاحياً عالي الحساسية في مضيق هرمز، يثير تساؤلاً جوهرياً: هل تهدف هذه التسريبات إلى إنضاج تسوية حقيقية تبدأ بـ 30 يوماً من المفاوضات المعمقة، أم أنها مجرد بالون اختبار لرمي الكرة في الملعب الإيراني وتبرئة ساحة واشنطن من تعثر المسار الدبلوماسي؟
جذور الأزمة: من خطة العمل الشاملة إلى التوترات الحالية
لفهم السياق العام لهذه التسريبات، يجب العودة إلى الخلفية التاريخية للبرنامج النووي الإيراني. منذ توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة في عام 2015، شهد العالم انفراجة مؤقتة، إلا أن الانسحاب الأمريكي الأحادي في عام 2018 أعاد خلط الأوراق، مما دفع طهران إلى زيادة نسب التخصيب تدريجياً. هذا التصعيد لم يقتصر على المنشآت النووية، بل امتد تأثيره مباشرة إلى مياه الخليج العربي ومضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط. بالتالي، أصبحت أي محاولة لصياغة تفاهمات جديدة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بضمان أمن إمدادات الطاقة العالمية وتجنب أي تصعيد عسكري قد يشل حركة التجارة الدولية.
آلية الزناد في مسودة الاتفاق النووي: عقبة السيادة والتفتيش
تعتمد مسودة الاتفاق النووي المطروحة في جوهرها على آليات إجرائية تهدف إلى خلق “منطقة عازلة” زمنية. وتبرز في هذا السياق “مدة الـ 12 عاماً” كإطار زمني مقترح لتثبيت واقع نووي جديد. لكن العقدة الحقيقية تكمن في “البند المرن” الذي أضافته واشنطن، والذي يتيح زيادة مدة وقف التخصيب في حال رصد أي تجاوزات. بمعنى آخر، يعمل هذا البند كآلية “زناد” تقنية تمنح المفتشين الدوليين صلاحيات الوصول الفوري للمنشآت تحت طائلة العودة التلقائية للعقوبات دون الحاجة لتصويت جديد في مجلس الأمن. وبموجب هذا الربط، يصبح رفع الحصار الاقتصادي مرهوناً بجداول زمنية صارمة لإخراج اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما سارعت طهران برفضه على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية، واصفة إياه بـ “قائمة أمنيات”، معتبرة ذلك نزعاً للسيادة التقنية تحت ستار التفتيش.
أمن الممرات المائية: هل نحن أمام هدنة اقتصادية طويلة الأمد؟
بموازاة التعقيدات الفنية للملف النووي، يمثل تأمين الممرات المائية الدافع الأساسي للاستعجال في طرح هذه التفاهمات. فالتسريبات التي تتحدث عن “إعلان إنهاء الحرب” تعكس رغبة دولية جامحة في تحويل الممرات المائية من ساحات اشتباك إلى طرق تجارية آمنة ومستقرة. وسحب “مشروع الحرية” الأمريكي يمثل التنازل الميداني المقابل للمطالب التقنية، مما يجعل من المسودة محاولة لهندسة “هدنة اقتصادية” طويلة الأمد تضمن تدفق الطاقة مقابل تجميد الطموح النووي. أما البند الذي يتعلق بضمان حرية الحركة في هرمز فهو ركيزة إدارية تتيح للدول الإقليمية والشركات العالمية وضع خطط تشغيلية طويلة الأمد بعيداً عن مخاطر المصادرة أو الاستهداف الميداني.
التداعيات الإقليمية والدولية: بكين كضامن محتمل للاستقرار
إن أهمية هذا الحدث تتجاوز البعد الثنائي بين واشنطن وطهران لتشمل تأثيرات إقليمية ودولية واسعة. البحث عن ضامنين لدخول أطراف مثل الصين وباكستان في سياق هذه التسوية، عبر مسار “إسلام آباد 2″، يعطي المسودة طابعاً يتجاوز الرغبة الأمريكية المنفردة. فالصين، كأكبر مستورد للنفط، تبحث عن استقرار الضرورة لحماية مسار الحرير ومبادرة الحزام والطريق. وهذا يجعل من التسريبات الأمريكية محاولة لاستقطاب بكين كضامن للجانب الإيراني في تنفيذ الالتزامات التقنية. وبذلك، تصبح المسودة عملية تقاطع مصالح دولي يسعى لإنهاء حالة عدم اليقين في الممرات المائية، حيث تنظر إدارة الموانئ العالمية إلى بكين كطرف قادر على تحويل التهدئة المؤقتة إلى بروتوكول تشغيلي مستدام، يراقب آليات التنفيذ دون الحساسية التي يثيرها الوجود العسكري الأمريكي المباشر في المنطقة.
مستقبل الملاحة في هرمز بين الدبلوماسية والمواجهة
في الختام، يبقى السؤال المعلق: هل نحن أمام مسودة واقعية تملك مقومات التنفيذ، أم مجرد مناورة إعلامية صُممت لتقاسم الوقت الضائع؟ إن تهديد ترامب بالانتقال من مشروع الحرية إلى الحصار الفعال يطرح تساؤلاً أكثر عمقاً من تفاصيل التخصيب: هل يمكن لممرات الملاحة في هرمز أن تحتمل رهانات الورق المسرب بينما تظل الميدان الأول لترجمة أي فشل دبلوماسي؟ وإذا كانت المُهل الزمنية المتداولة لا تزال حبيسة التكهنات، فمن يضمن ألا تتحول الضمانات المؤقتة إلى مناورة لاستدراج الأطراف نحو مواجهة بكثافة غير مسبوقة؟


