أطلقت منظمة “ميون” لحقوق الإنسان تحذيرات عاجلة من تفاقم كارثة إنسانية مروعة، مؤكدة أن الألغام في اليمن، سواء الأرضية أو البحرية، لا تزال تشكل واحداً من أخطر التهديدات المباشرة التي تتربص بحياة المدنيين وسلامتهم اليومية. وفي ظل استمرار النزاع، تحولت مساحات شاسعة من البلاد إلى حقول موت خفية تحصد الأرواح بلا تمييز وتعيق مسارات الحياة الطبيعية.
جذور الصراع وتحول الأراضي اليمنية إلى حقول موت خفية
تعود جذور هذه الأزمة المعقدة إلى اندلاع النزاع المسلح في أواخر عام 2014، حيث شهدت البلاد استخداماً مكثفاً وعشوائياً للأسلحة المتفجرة. ومع تصاعد وتيرة المعارك، تم زرع مئات الآلاف من العبوات الناسفة في مختلف المحافظات، خاصة في خطوط التماس والمناطق الاستراتيجية. هذا التكتيك العسكري حول المزارع، والطرقات، وحتى الأحياء السكنية إلى مصائد مميتة، مما جعل انتشار المتفجرات إرثاً دموياً يمتد تأثيره لعقود قادمة، ويعيق أي جهود حقيقية لتحقيق الاستقرار أو التنمية الاقتصادية في البلد الذي يعاني أصلاً من هشاشة البنية التحتية وتدهور القطاع الصحي.
إحصائيات صادمة: حصيلة ضحايا الألغام في اليمن وتأثير التغير المناخي
وفي بيان رسمي صدر بمناسبة اليوم العالمي للتوعية بمخاطر الألغام، كشفت المنظمة الحقوقية عن أرقام مفزعة تعكس حجم المأساة. فقد سجلت التقارير مقتل 1367 مدنياً وإصابة 1622 آخرين خلال الفترة الممتدة من عام 2018 وحتى مارس 2024، نتيجة حوادث انفجار العبوات الناسفة والذخائر غير المنفجرة. وما يدمي القلب هو أن نسبة الأطفال من إجمالي هؤلاء الضحايا بلغت نحو 30.44%، مما يهدد جيلاً كاملاً. ومما يزيد الطين بلة، التداعيات الخطيرة للتغيرات المناخية؛ حيث أدت السيول والفيضانات الجارفة التي ضربت عدة محافظات يمنية مؤخراً إلى جرف هذه الأجسام المتفجرة من مناطق زراعتها الأصلية ونقلها إلى مناطق مأهولة بالسكان، مما يضاعف من احتمالية سقوط ضحايا جدد بشكل عشوائي ويعقد من مهام فرق الاستجابة السريعة.
التوترات في البحر الأحمر وتهديد خطوط الملاحة الدولية
لم يقتصر الخطر على اليابسة فحسب، بل امتد ليشمل المياه الإقليمية، حيث لفتت منظمة “ميون” الانتباه إلى أن تصاعد التوترات العسكرية والجيوسياسية في منطقة البحر الأحمر ينذر بكارثة أوسع نطاقاً. إن التلويح باستخدام الألغام البحرية كأداة من أدوات الصراع المسلح يشكل تهديداً استراتيجياً وخطيراً على سلامة الملاحة الدولية وحركة التجارة العالمية. يمر عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة والبضائع العالمية، وأي تلوث لهذه المياه بالأجسام المتفجرة قد يؤدي إلى شلل في سلاسل الإمداد، ناهيك عن الكوارث البيئية المحتملة التي قد تدمر الحياة البحرية وتؤثر على أرزاق آلاف الصيادين المحليين الذين يعتمدون على البحر كمصدر وحيد للدخل.
جهود التطهير والمناشدات الدولية لإنقاذ المدنيين
وسط هذه الصورة القاتمة، تبرز بعض النقاط المضيئة المتمثلة في الجهود الإنسانية الحثيثة لتطهير الأراضي. فقد أشادت المنظمة بالدور المحوري الذي يلعبه برنامج “مسام” لنزع الألغام، والذي نجح حتى الآن في انتزاع وإبطال مفعول أكثر من 551,189 لغماً وذخيرة غير منفجرة وعبوة ناسفة. وثمنت المنظمة حرص البرنامج على تنفيذ عمليات إتلاف دورية لما يتم نزعه لضمان عدم استخدامها مجدداً. وفي ختام بيانها، وجهت “ميون” نداءً عاجلاً للمجتمع الدولي والفرق الهندسية لتكثيف الدعم المالي والتقني لبرامج التطهير. كما طالبت بالوقف الفوري لزراعة هذه الأسلحة المحرمة دولياً، والالتزام الصارم بقواعد القانون الدولي الإنساني، مشددة على ضرورة تقديم رعاية شاملة للضحايا، وتفعيل آليات المساءلة القانونية لضمان عدم إفلات الجهات المتورطة في هذه الجرائم من العقاب الرادع.


