في تحول دراماتيكي يجسد التقلبات الحادة في المشهد السياسي لأمريكا اللاتينية، تمكنت كيكو فوجيموري، ابنة الرئيس الأسبق المثير للجدل ألبرتو فوجيموري، من حسم سباق الانتخابات الرئاسية في بيرو لصالحها. يأتي هذا الفوز بعد مسيرة سياسية صعبة، شهدت ملاحقات قضائية بتهم الفساد أدت بها إلى السجن، لتصنع عودة قوية من خلف القضبان إلى قصر الحكم في ليما، بعد فوزها في الجولة الثانية على منافسها اليساري روبرتو سانشيز.
خاضت فوجيموري، مرشحة حزب “القوة الشعبية” اليميني، السباق الرئاسي للمرة الرابعة، لتتوج محاولاتها المستمرة بالنجاح في قيادة بلد يعد ثاني أكبر منتج للنحاس في العالم ويمتلك موارد طبيعية هائلة مثل الليثيوم والذهب. ويمثل فوزها تعزيزًا للتيار اليميني في أمريكا الجنوبية، الذي شهد صعودًا في السنوات الأخيرة، لتنضم بيرو إلى جبهة من الحكومات المحافظة في منطقة كانت حتى وقت قريب معقلًا لليسار.
إرث فوجيموري: بين الظل والنفوذ
لا يمكن فصل المسيرة السياسية لكيكو عن إرث والدها، ألبرتو فوجيموري، الذي حكم بيرو بقبضة حديدية بين عامي 1990 و2000. فرغم أن فترة حكمه يُنسب إليها الفضل في تحقيق الاستقرار الاقتصادي وسحق تمرد حركة “الدرب المضيء” اليسارية، إلا أنها شابتها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وفساد واسع النطاق، وهو ما أدى في النهاية إلى إدانته وسجنه. هذا الإرث المزدوج خلق استقطابًا عميقًا في المجتمع البيروفي، حيث يرى أنصار “الفوجيمورية” فيها رمزًا للقوة والنظام، بينما يخشى معارضوها عودة التسلط وقمع الحريات.
حاولت كيكو فوجيموري مرارًا النأي بنفسها عن الجوانب المظلمة في تاريخ والدها، خاصة في حملتها الانتخابية عام 2016 التي خسرتها بفارق ضئيل، لكنها ظلت شخصية محورية في السياسة، مستخدمة الأغلبية البرلمانية لحزبها لزعزعة استقرار الحكومات المتعاقبة، مما ساهم في حالة من الفوضى السياسية شهدت تغيير عدة رؤساء في فترة وجيزة.
تحديات اقتصادية وسياسية في انتظار كيكو فوجيموري
تتولى كيكو فوجيموري قيادة بلد يعاني من انقسامات سياسية عميقة وتحديات اقتصادية واجتماعية ملحة، تفاقمت بسبب جائحة كوفيد-19. وتواجه مهمة صعبة تتمثل في توحيد أمة منقسمة على نفسها، وبناء جسور مع خصومها السياسيين لضمان الاستقرار وتمرير الإصلاحات اللازمة. كما أن مسارها القضائي لم يكن سهلًا، ففي عام 2018، تم اعتقالها احتياطيًا في إطار فضيحة الفساد الكبرى المعروفة بـ “أوديبريشت”، التي طالت سياسيين في جميع أنحاء القارة، بتهمة تلقي تمويل غير مشروع لحملتها الانتخابية. ورغم أن المحكمة الدستورية أسقطت لاحقًا أمر حبسها، إلا أن هذه الاتهامات لا تزال تلقي بظلالها على صورتها السياسية، مما يجعل مهمتها في كسب ثقة الشعب بأكمله أكثر تعقيدًا.


