تشهد الأوضاع الميدانية في قطاع غزة تطورات متسارعة تكشف عن مساعٍ مستمرة لتكريس سيطرة إسرائيل على غزة عبر استراتيجية جديدة تعتمد على التوسع التدريجي والقضم الهادئ للأراضي. ورغم المواقف المعلنة من الإدارة الأمريكية الرافضة للتهجير أو اقتطاع أجزاء من القطاع، إلا أن التحركات الميدانية للجيش الإسرائيلي تشير إلى فرض واقع جغرافي وعسكري جديد يتجاوز التحذيرات الدولية، وسط مخاوف من تغيير دائم في معالم القطاع الديموغرافية والجغرافية.
كواليس الفيتو الأمريكي: إدارة ترامب توقف عملية عسكرية واسعة
كشفت وسائل إعلام إسرائيلية، وفي مقدمتها القناة الـ13، عن كواليس تراجع الجيش الإسرائيلي عن تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق كان يخطط لها في قطاع غزة. ووفقاً للتقارير، فإن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدخلت بشكل مباشر وأوقفت هذه العملية بعد إطلاعها على تفاصيل الخطة المرفوعة من القيادة العسكرية الإسرائيلية.
الخطة التي نوقشت على أعلى المستويات السياسية والأمنية في تل أبيب واجهت استياءً واضحاً من واشنطن، التي طالبت بشكل حاسم بعدم المضي قدماً في تنفيذها. هذا الموقف يعكس التباين المستمر بين الحليفين بشأن إدارة الصراع ومستقبل القطاع، حيث تسعى واشنطن لتجنب تصعيد إقليمي أوسع قد يؤدي إلى تقويض الجهود الدبلوماسية الرامية للتوصل إلى تسوية شاملة في المنطقة.
استراتيجية “الضم الهادئ” لتكريس سيطرة إسرائيل على غزة
بدلاً من العمليات العسكرية الكبرى التي قد تثير غضب المجتمع الدولي وتصطدم بالفيتو الأمريكي، تشير المعطيات الميدانية إلى أن الجيش الإسرائيلي انتقل إلى تنفيذ خطة بديلة توصف بـ “الضم التدريجي والهادئ”. تهدف هذه الاستراتيجية إلى توسيع سيطرة إسرائيل على غزة بشكل غير معلن ومن خلال خطوات متسلسلة تفرض أمراً واقعاً يصعب التراجع عنه مستقبلاً.
وأفادت مصادر فلسطينية وشهود عيان بأن القوات الإسرائيلية قامت خلال الأيام الماضية بتوسيع ما يُعرف بـ “المنطقة الصفراء” العازلة في مناطق شرق خان يونس وشمال رفح. وشملت هذه التحركات وضع علامات حدودية جديدة، وإقامة كتل خرسانية ضخمة، وتوغل الدبابات في عمق أحياء سكنية مثل حي التفاح بمدينة غزة، مما أجبر مئات العائلات على النزوح القسري مجدداً تحت وطأة القصف والتهديد المستمر.
السياق التاريخي والجغرافي للصراع على الأرض
تأتي هذه التحركات في سياق تاريخي طويل من الصراع على الأرض والحدود في قطاع غزة. منذ انسحاب إسرائيل أحادي الجانب من القطاع عام 2005، ظلت مسألة السيطرة الأمنية والحدودية نقطة خلاف جوهرية. ومع اندلاع الحرب الأخيرة، عادت الأطماع الإسرائيلية في إنشاء مناطق عازلة وتأمين الحدود بشكل مباشر إلى الواجهة.
وتشير التقديرات إلى أن إسرائيل باتت تسيطر فعلياً على أكثر من 60% من مساحة قطاع غزة عبر تقسيم القطاع إلى معازل ومحاور أمنية مثل “محور نتساريم” و”محور فيلادلفيا”. ورغم هذه السيطرة الواسعة، تستمر عمليات الإخلاء القسري وتدمير البنية التحتية المتبقية، مما يؤكد رغبة تل أبيب في منع عودة الحياة الطبيعية إلى تلك المناطق وتحويلها إلى مناطق عسكرية مغلقة.
التداعيات الإقليمية والدولية لسياسة فرض الأمر الواقع
إن استمرار إسرائيل في قضم أراضي القطاع وتوسيع نفوذها العسكري يحمل تداعيات خطيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية:
- محلياً: يفاقم هذا التوسع من الكارثة الإنسانية غير المسبوقة، حيث يُحرم مئات الآلاف من النازحين من العودة إلى ديارهم المدمرة، مما يزيد من تكدس السكان في مناطق ضيقة تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
- إقليمياً: يضعف هذا السلوك فرص إحلال السلام ويزيد من توتر العلاقات مع دول الجوار، لاسيما مصر التي ترفض بشكل قاطع أي تغيير في وضع الحدود أو تهجير للفلسطينيين.
- دولياً: يضع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتهم على إلزام إسرائيل بالقوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن التي تؤكد على وحدة أراضي قطاع غزة ورفض أي اقتطاع منها.
في النهاية، يبقى التساؤل مطروحاً حول المدى الذي يمكن أن تصل إليه استراتيجية الضم الهادئ، وفيما إذا كانت الضغوط الدولية، وخاصة الأمريكية، ستنجح في كبح جماح هذه المخططات، أم أن الخارطة الجغرافية لقطاع غزة قد تغيرت بالفعل وإلى الأبد.


