في تطور ميداني وسياسي بارز، أقدم الجيش الإسرائيلي على شن غارات جوية عنيفة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، بالتزامن مع إصدار أوامر إخلاء فورية لسكان مدينة صور التاريخية في جنوب لبنان. وجاء هذا التصعيد العسكري الواسع بعد أن قامت الحكومة الإسرائيلية بإبلاغ إدارة ترمب مسبقاً بنواياها الهجومية، مشيرة إلى أن استمرار الهجمات الصاروخية من جانب “حزب الله” يمنح تل أبيب الحق الكامل في استهداف العاصمة اللبنانية بيروت ومحيطها، وهو ما يمثل تحولاً كبيراً في مسار التفاهمات السياسية الأخيرة.
التنسيق الإسرائيلي مع إدارة ترمب وخلفيات القرار العسكري
نقلت تقارير صحفية دولية، من بينها موقع “أكسيوس” الأمريكي، عن مصادر مطلعة أن الجانب الإسرائيلي حرص على إحاطة إدارة ترمب علماً بالضربات الجوية قبل تنفيذها. يأتي هذا التنسيق في وقت حساس للغاية، حيث كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد أبدى في وقت سابق تحفظات واضحة على استهداف العاصمة بيروت، مما أدى إلى تعليق بعض الهجمات التي كانت وشيكة. ومع ذلك، اعتبرت الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس أن إطلاق “حزب الله” لصواريخ باتجاه منطقة الجليل الأعلى – في أول خرق بارز لاتفاق وقف إطلاق النار الهش – يمثل مبرراً كافياً لاستئناف العمليات العسكرية المركزة ضد ما وصفته بمقرات قيادة الحزب في الضاحية الجنوبية.
السياق التاريخي وجذور الصراع في جنوب لبنان والضاحية
لفهم أبعاد هذا التصعيد، يجب العودة إلى الجذور التاريخية للصراع بين إسرائيل وحزب الله، والذي يمتد لعقود من المواجهات العسكرية المستمرة منذ ثمانينيات القرن الماضي. وتعتبر الضاحية الجنوبية لبيروت، إلى جانب مدن الجنوب مثل صور وصيدا، معاقل أساسية ومراكز ثقل ديموغرافي وسياسي وعسكري لحزب الله. مدينة صور، التي تعد رابع أكبر المدن اللبنانية ومركزاً تاريخياً وسياحياً هاماً على ساحل البحر الأبيض المتوسط، شهدت عبر التاريخ موجات نزوح متعددة جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية. إن أوامر الإخلاء القسرية الحالية تعيد إلى الأذهان سيناريوهات الحروب السابقة، وتؤكد أن المنطقة لا تزال تعيش تحت وطأة معادلة الردع والردع المضاد التي لم تفلح الاتفاقيات الدبلوماسية المؤقتة في تفكيكها بشكل نهائي.
التداعيات الإقليمية والدولية للتصعيد الراهن
يحمل هذا التصعيد الأخير تداعيات بالغة الأهمية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يفاقم القصف وأوامر الإخلاء في صور والضاحية من الأزمة الإنسانية والاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان، مع تزايد أعداد النازحين والضغط الهائل على البنية التحتية المتهالكة. إقليمياً، يهدد هذا التطور بانهيار كامل لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه برعاية دولية، مما قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من المواجهات الشاملة التي قد تجر أطرافاً إقليمية أخرى إلى الصراع. دولياً، يضع هذا الاختبار الدبلوماسي والميداني السياسة الخارجية الأمريكية تحت المجهر، حيث يترقب المجتمع الدولي كيف ستتعامل واشنطن مع تجاوز الخطوط الحمراء التي وضعت سابقاً بشأن حماية العاصمة بيروت، ومدى قدرة القوى الكبرى على فرض الاستقرار في الشرق الأوسط.


