إعلان إسرائيلي مفاجئ وتصعيد خطير
في تطور دراماتيكي يعكس بلوغ التوترات في الشرق الأوسط ذروتها، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، عن مقتل علي لاريجاني، الذي وصفه بأنه رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني والقائد الفعلي للبلاد في المرحلة الراهنة. وفي كلمة مصورة نُشرت يوم الثلاثاء، أكد كاتس أن إسرائيل ماضية في استراتيجيتها التي أعلنتها سابقاً باستهداف كل بديل محتمل في هرم القيادة الإيرانية، مشدداً على مواصلة ملاحقة قادة النظام. واعتبر الوزير الإسرائيلي أن هذه العملية النوعية تعيد إيران عشرات السنوات إلى الوراء، مما يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل القيادة في طهران وتداعيات ذلك على الاستقرار الإقليمي والدولي.
من هو علي لاريجاني؟ مسيرة سياسية وعسكرية حافلة
يُعد علي لاريجاني، البالغ من العمر 67 عاماً، واحداً من أبرز وأعقد الشخصيات في البنية السياسية والأمنية للجمهورية الإسلامية الإيرانية. ينتمي لاريجاني إلى عائلة دينية ذات نفوذ واسع ومرموق؛ حيث شغل شقيقه، صادق لاريجاني، منصب رئيس السلطة القضائية لعقد من الزمن. بدأ لاريجاني مسيرته في صفوف الحرس الثوري الإيراني، حيث خدم لسنوات عديدة وتولى منصب رئيس أركان الحرس الثوري خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية القاسية في الثمانينيات، مما منحه خلفية عسكرية صلبة قبل ولوجه معترك السياسة.
على الصعيد السياسي والإداري، تنقل لاريجاني بين مناصب حساسة، حيث عُين وزيراً للثقافة والإرشاد الإسلامي، ثم تولى رئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية لسنوات طويلة. وفي عام 2005، مع بداية حقبة الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، تم تعيينه أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، حيث قاد المفاوضات النووية الإيرانية مع القوى العالمية. ورغم استقالته لاحقاً بسبب خلافات جوهرية مع نجاد، إلا أنه عاد ليتصدر المشهد السياسي بانتخابه رئيساً للبرلمان الإيراني (مجلس الشورى) من عام 2008 وحتى 2020.
مهندس الاتفاقيات الكبرى وتحديات الداخل
لعب لاريجاني دوراً محورياً كأحد الشخصيات الرئيسية وراء الكواليس في صياغة الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) عام 2015. ولم يقتصر دوره على الغرب، بل كُلف في عام 2021 بمهمة استراتيجية كبرى تمثلت في التفاوض على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع الصين لمدة 25 عاماً، والتي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، مما يعكس ثقة النظام العميقة في قدراته الدبلوماسية.
رغم هذا النفوذ، لم تكن مسيرة لاريجاني خالية من العقبات. فقد سعى للترشح للانتخابات الرئاسية مرتين، إلا أن مجلس صيانة الدستور رفض ترشيحه، مما أظهر حجم التجاذبات داخل أجنحة النظام. كما واجهت عائلته تحديات كبيرة في أواخر التسعينيات عندما تورط شقيقه في قضايا فساد مالي شملت الاستيلاء على أراضٍ وتلقي رشاوى، وحيازة عشرات الحسابات المصرفية الشخصية بمليارات التومانات، وهي قضايا استُخدمت مراراً لتصفية الحسابات السياسية الداخلية.
السياق الأمني وتداعيات الاغتيال المتوقعة
تأتي أهمية لاريجاني الاستثنائية في هذه المرحلة الحرجة بناءً على تقارير أمنية واستخباراتية، من بينها ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز، والتي أشارت إلى أن المرشد الإيراني علي خامنئي كان قد كلف لاريجاني، باعتباره أحد أبرز رجاله الموثوقين، بإدارة شؤون البلاد وتحديد السياسات الأمنية والاستراتيجية في حال غيابه أو اغتياله هو ونجله مجتبى. وأفادت مصادر داخل الحرس الثوري أن توجيهات صارمة صدرت للاريجاني ولعدد محدود من المقربين لضمان بقاء النظام أمام أي ضربات أمريكية أو إسرائيلية.
تولى لاريجاني عملياً إدارة الملفات السياسية والأمنية الحساسة منذ أوائل العام الماضي، تزامناً مع الاحتجاجات الداخلية والتهديدات الخارجية. إن صحة الإعلان الإسرائيلي عن اغتياله تمثل ضربة زلزالية للعمق الاستراتيجي الإيراني. فعلى المستوى المحلي، يفقد النظام أحد أهم عقوله المدبرة القادرة على الموازنة بين الأجنحة المتشددة والإصلاحية. وإقليمياً، يمثل هذا الحدث تصعيداً غير مسبوق في حرب الظل بين إسرائيل وإيران، مما قد يدفع طهران للرد المباشر وتوسيع دائرة الصراع. أما دولياً، فإن استهداف شخصية بحجم لاريجاني يعقد أي جهود مستقبلية للعودة إلى طاولة المفاوضات، ويضع المنطقة بأسرها على شفا مواجهة شاملة.


