في تصعيد عسكري خطير يشي بمرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة، أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الاثنين)، عن تمكنه من اغتيال حسين مقلد، أحد أبرز مسؤولي هيئة الاستخبارات في «حزب الله». وجاءت العملية عبر غارة جوية دقيقة استهدفت الليلة الماضية العاصمة اللبنانية بيروت، وتحديداً محيط ملعب الراية في الضاحية الجنوبية، الذي يُعد أحد المعاقل الرمزية واللوجستية للحزب.
وأفادت المصادر الميدانية بأن الغارة لم تكن معزولة، بل جاءت كجزء من موجة عنيفة ضربت المنطقة، حيث سبقتها غارة أخرى فجراً أسفرت عن سقوط نحو 20 ضحية، مما يعكس إصراراً إسرائيلياً على تكثيف الضغط الناري في قلب الضاحية. وأوضح البيان العسكري الإسرائيلي أن مقلد كان ضالعاً في توجيه «أنشطة إرهابية» ضد أهداف إسرائيلية، مما يجعله صيداً ثميناً في بنك الأهداف الإسرائيلي المتجدد.
استراتيجية استنزاف قيادات حزب الله وتفكيك المنظومة
لا يمكن قراءة عملية اغتيال حسين مقلد بمعزل عن السياق التاريخي والعسكري للصراع الدائر منذ الثامن من أكتوبر. فإسرائيل، التي انتقلت من مرحلة الردع المتبادل إلى مرحلة «الهجوم الاستباقي» و«تصفية الحساب»، باتت تعتمد استراتيجية ممنهجة تهدف إلى تفكيك الهيكل القيادي لـ «حزب الله». يركز هذا التكتيك على ضرب العقول المدبرة في الوحدات الاستخباراتية والميدانية، بهدف إحداث شلل في منظومة القيادة والسيطرة (C2)، مما يعيق قدرة الحزب على تنسيق هجمات صاروخية معقدة أو إدارة المعركة البرية بكفاءة في حال حدوث اجتياح.
تُظهر هذه العمليات تحولاً جذرياً في قواعد الاشتباك التي حكمت الجبهة الشمالية لسنوات؛ إذ لم تعد الخطوط الحمراء الجغرافية أو السياسية عائقاً أمام الطائرات الإسرائيلية، التي باتت تستهدف عمق الضاحية الجنوبية بشكل يومي، محاولةً ضرب البنية التحتية العسكرية الملاصقة للمناطق السكنية، وهو ما يفسر حجم الدمار الكبير والخسائر البشرية المتزايدة.
تهديدات مباشرة لقيادة الحزب ومستقبل نعيم قاسم
وفي سياق متصل يرفع من منسوب التوتر، أطلق وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تصريحات نارية عبر منصة «إكس»، معتبراً أن الأمين العام الجديد لـ «حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، قد أصبح رسمياً «هدفاً للتصفية». يحمل هذا التهديد دلالات سياسية عميقة تتجاوز البعد العسكري؛ فهو رسالة واضحة بأن إسرائيل لن تسمح للحزب بإعادة ترتيب بيته الداخلي أو ترميم صورته القيادية بعد اغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله.
يرى مراقبون أن وضع رأس الهرم السياسي للحزب ضمن دائرة الاستهداف المباشر يهدف إلى خلق حالة من عدم الاستقرار الدائم داخل التنظيم، ودفع القيادة الجديدة إلى العمل تحت ضغط أمني هائل يحد من قدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية، مما قد يجر المنطقة إلى سيناريوهات غير محسوبة العواقب.
توسيع دائرة النار والسيناريوهات الإقليمية
ميدانياً، تتجه الأمور نحو مزيد من التصعيد، حيث أكد الجيش الإسرائيلي نيته توسيع بنك أهدافه ليشمل مناطق جديدة في صور، مشغرة، دير قانون النهر، بالإضافة إلى قرى بنت جبيل وقانا والنبطية التحتا. هذا التوسع الجغرافي في القصف يتزامن مع تعزيزات عسكرية ضخمة على الحدود الشمالية، ورغم نفي المتحدث باسم الجيش نداف شوشاني وجود خطط فورية لاجتياح بري واسع، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى تحضيرات لمواجهة طويلة الأمد.
تأتي هذه التطورات في ظل مشهد إقليمي ملتهب، حيث يربط «حزب الله» عملياته العسكرية بالدفاع عن لبنان وإسناد غزة، بينما تسعى القوى الدولية جاهدة لمنع انزلاق الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة قد تشمل أطرافاً أخرى في محور المقاومة، خاصة مع تعثر المسارات الدبلوماسية وغياب أفق واضح لوقف إطلاق النار في المدى المنظور.


