أكد وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، في تصريحاته الأخيرة بعد تعيينه للمرة الثالثة في منصبه، أن العلاقات العراقية الخليجية تمثل أولوية قصوى للحكومة في المرحلة الراهنة. وأوضح حسين أن مساعي بغداد تتجه بقوة نحو ترميم هذه الروابط الاستراتيجية التي تأثرت سلباً خلال الأشهر الماضية، لتصبح ضحية للتوترات والنزاعات الإقليمية، ولا سيما التصعيد الذي اندلع في أواخر فبراير الماضي بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وأعلن الوزير أن الدبلوماسية العراقية ستبدأ العمل فوراً على تعزيز جسور التواصل وإعادة بناء الثقة مع دول مجلس التعاون الخليجي.
في سياق متصل، شهد القصر الحكومي في العاصمة بغداد مراسم تسلم رئيس مجلس الوزراء العراقي الجديد، علي فالح الزيدي، لمهماته رسمياً، وذلك بحضور رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني. وقد أدت الحكومة الجديدة اليمين الدستورية بعد نيلها الثقة بالأغلبية المطلقة من مجلس النواب العراقي. وشدد الزيدي في أول خطاب له على أن المرحلة القادمة ستكون مرحلة شراكة وطنية حقيقية تتجاوز كافة الخلافات السياسية السابقة، متعهداً بالعمل المخلص والجاد لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تعصف بالبلاد.
ولم يغفل رئيس الوزراء الجديد الجانب الداخلي، حيث أكد أن حكومته ستضرب بيد من حديد لحماية المال العام ومحاربة الفساد الإداري والمالي بكافة أشكاله وصوره. واعتبر الزيدي أن الفساد يمثل العائق الأكبر أمام خطط التنمية الاقتصادية، ويؤخر مسيرة بناء الدولة الحديثة. كما تعهد بالعمل الحثيث على ترسيخ الأمن والاستقرار في كافة المحافظات، وحماية سيادة العراق من أي تدخلات خارجية.
السياق التاريخي لتطور العلاقات العراقية الخليجية
تاريخياً، مرت العلاقات العراقية الخليجية بمحطات عديدة من المد والجزر. فبعد عقود من التوتر والقطيعة التي أعقبت حرب الخليج الثانية في مطلع التسعينيات، بدأت مساعي التقارب تتبلور بشكل أوضح في السنوات الأخيرة. أدركت الحكومات العراقية المتعاقبة أهمية العمق العربي والخليجي لإعادة دمج العراق في محيطه الإقليمي. وقد تجلى ذلك في تبادل الزيارات رفيعة المستوى، وتوقيع اتفاقيات الربط الكهربائي، وتعزيز الاستثمارات الخليجية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية العراقية. ومع ذلك، ظلت هذه العلاقات تتأثر بالتجاذبات الجيوسياسية، خاصة التنافس الإقليمي والدولي الذي غالباً ما يلقي بظلاله على الساحة العراقية، مما يجعل مهمة الدبلوماسية العراقية دقيقة في الحفاظ على توازن يرضي جميع الأطراف دون المساس بالسيادة الوطنية.
الأهمية الاستراتيجية والتأثير المتوقع للتقارب الإقليمي
يحمل التوجه العراقي الجديد نحو تعزيز الروابط مع محيطه العربي أهمية بالغة على مستويات عدة. محلياً، سيساهم الانفتاح على الاستثمارات الخليجية في إنعاش الاقتصاد العراقي، وتوفير فرص عمل للشباب، وتحسين مستوى الخدمات الأساسية التي يطمح إليها المواطن. إقليمياً، يلعب العراق دوراً محورياً كجسر للتواصل وساحة للتهدئة بدلاً من أن يكون ساحة لتصفية الحسابات. إن استقرار العراق ونجاحه في بناء سياسة خارجية متوازنة ينعكس إيجاباً على أمن منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط بأكمله. أما على الصعيد الدولي، فإن نجاح بغداد في النأي بنفسها عن الصراعات المحورية يعزز من ثقة المجتمع الدولي في المؤسسات العراقية، ويشجع الشركات العالمية على الدخول إلى السوق العراقية بثقة أكبر، مما يرسخ مكانة العراق ودوره التاريخي كفاعل أساسي في استقرار النظام العالمي.


