تسببت الخلافات العميقة داخل التحالف الحاكم في العراق في تأجيل حسم المرشح لمنصب رئاسة الحكومة العراقية، وهو المنصب الذي يترقبه الشارع العراقي والمجتمع الدولي على حد سواء. وأعلن الأمين العام للإطار التنسيقي، عباس العامري، عن تأجيل تسمية المرشح للمنصب إلى يوم الأربعاء، لافتاً إلى استمرار المشاورات المكثفة بين قوى الإطار التنسيقي للوصول إلى توافق يرضي جميع الأطراف.
وأوضح العامري في بيان رسمي نقلته وكالة الأنباء العراقية (واع)، أن اجتماع الإطار التنسيقي شهد أجواء إيجابية، حيث طُرحت مختلف الآراء بشأن مرشح رئاسة الوزراء، إلا أن حساسية الموضوع تتطلب وقتاً إضافياً. وأضاف أن التحالف قرر مواصلة اجتماعاته لاستكمال الحوارات والتوصل إلى قرار نهائي، في إطار مساعٍ جادة لحسم الاستحقاقات الدستورية وتشكيل حكومة قادرة على إدارة المرحلة السياسية المعقدة.
جذور الأزمة السياسية وتحديات تشكيل رئاسة الحكومة العراقية
لفهم التعقيدات التي تحيط بملف رئاسة الحكومة العراقية، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للأزمة السياسية في البلاد. منذ إجراء الانتخابات النيابية، دخل العراق في أزمة سياسية خانقة نتيجة الخلافات حول شكل الحكومة ومسارها. وتفاقمت الأزمة لاحقاً مع انسحاب الكتلة الصدرية من البرلمان، مما جعل “الإطار التنسيقي” الكتلة النيابية الأكبر، حيث تشير التوازنات الحالية إلى امتلاكه ما بين 130 و140 مقعداً من أصل 329 مقعداً في مجلس النواب العراقي.
وتأتي هذه التحركات المكثفة عقب انتخاب نزار آميدي رئيساً للبلاد في 11 أبريل الجاري، مما فعّل المهلة الدستورية لتكليف مرشح الكتلة النيابية الكبرى بتشكيل الحكومة. وتنص المادة 76 من الدستور العراقي بوضوح على أن رئيس الجمهورية يكلف مرشح الكتلة الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال 15 يوماً من تاريخ انتخابه، مما يضع الإطار التنسيقي تحت ضغط الوقت للاتفاق على شخصية توافقية تحظى بقبول الأغلبية.
باسم البدري يتصدر المشهد بعد تراجع حظوظ المالكي
في خضم هذه التجاذبات السياسية، أفادت مصادر مطلعة بأن القوى المنضوية في الإطار التنسيقي تتجه بقوة نحو الاتفاق على تمرير اختيار باسم البدري لمنصب رئيس الوزراء بأغلبية الثلثين. ويأتي بروز اسم البدري كمرشح تسوية بعد أن واجهت الترشيحات السابقة عقبات كبيرة كادت أن تعصف بتماسك التحالف.
وكان التحالف قد أعلن في شهر يناير الماضي ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي للمنصب، إلا أن هذا الترشيح اصطدم باعتراضات داخلية وخارجية واسعة. فعلى الصعيد الداخلي، برزت معارضة من قوى فاعلة داخل الإطار التنسيقي نفسه، مثل تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، وحركة “عصائب أهل الحق” بزعامة قيس الخزعلي. أما على الصعيد الخارجي، فقد واجه المالكي رفضاً أمريكياً صريحاً، تجلى في تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي دعا بغداد إلى عدم انتخابه، مهدداً بوقف الدعم الأمريكي للعراق في حال عودته إلى سدة الحكم، مما جعل خيار البدري أكثر واقعية وقبولاً لتجنب العزلة الدولية.
التداعيات المحلية والإقليمية لتأخر تشكيل الحكومة
يحمل حسم منصب رئاسة الوزراء أهمية بالغة تتجاوز الحدود المحلية لتشمل تأثيرات إقليمية ودولية عميقة. على الصعيد المحلي، أدى التأخير المستمر في تشكيل الحكومة إلى تعطيل إقرار الموازنة العامة، مما أثر سلباً على المشاريع التنموية، وتوفير فرص العمل، وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين الذين يعانون من أزمات اقتصادية متراكمة وبنية تحتية متهالكة.
أما إقليمياً ودولياً، فيعد العراق نقطة توازن حساسة في منطقة الشرق الأوسط. وتراقب دول الجوار والمجتمع الدولي مسار تشكيل الحكومة عن كثب، حيث ستحدد شخصية رئيس الوزراء القادم طبيعة العلاقات الخارجية للعراق، وقدرته على الحفاظ على سيادة البلاد، وإدارة التوازنات المعقدة بين القوى الإقليمية والدولية الفاعلة على الساحة العراقية. لذلك، يسعى الإطار التنسيقي جاهداً لاختيار شخصية قادرة على طمأنة الشارع العراقي والمجتمع الدولي على حد سواء، لضمان استقرار البلاد في المرحلة المقبلة.


