تسعى الحكومة العراقية جاهدة إلى إيجاد حلول جذرية للأزمة الاقتصادية الراهنة، حيث كشفت مصادر قضائية عن تبني بغداد خطة ثلاثية الأبعاد تهدف إلى استعادة الأموال المنهوبة في العراق، والتي تُقدر بمليارات الدولارات. وتأتي هذه التحركات في وقت حساس للغاية يواجه فيه البلد تحديات مالية خانقة وديوناً عامة متراكمة، مما يجعل من ملف مكافحة الفساد واسترداد الثروات الوطنية ضرورة قصوى لضمان الاستقرار المالي والاجتماعي.
خلفية تاريخية: كيف تراكمت ثروات “حيتان الفساد”؟
على مدى العقود الماضية، عانى العراق من استنزاف مستمر لموارده المالية نتيجة لغياب الرقابة الصارمة وتفشي البيروقراطية. تشير التقديرات السياسية والإعلامية إلى أن هناك ما يقارب 200 مليار دولار، بل وتتوقع أوساط قضائية أن تصل المبالغ المستهدفة بالاسترداد إلى ما بين 350 و500 مليار دولار، تقع حالياً في حوزة شخصيات متنفذة تُعرف محلياً بـ “حيتان الفساد”. هذا التراكم التاريخي للأموال المهربة ساهم بشكل مباشر في إضعاف البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.
المسارات الثلاثة لتفعيل استعادة الأموال المنهوبة في العراق
لتجاوز العقبات القانونية والزمنية، حددت بغداد ثلاثة مسارات متوازية للتعامل مع هذا الملف الشائك:
- التسويات المالية القضائية: من خلال إجراء تسويات مع المتهمين بالفساد ورجال الأعمال الموقوفين ضمن ما يُعرف إعلامياً بـ “حملة الفجر”، والتي أسفرت حتى الآن عن اعتقال 21 مسؤولاً ونائباً سابقاً يواجهون اتهامات بالفساد وتضخم الأموال.
- جذب الاستثمارات الأمريكية: تعزيز التعاون الاقتصادي مع واشنطن لجلب استثمارات حيوية تدعم الاقتصاد المحلي وتخفف من وطأة الديون.
- الدعم الخليجي: بناء شراكات استراتيجية مع دول الجوار الخليجي لتمويل مشاريع تنموية كبرى وإعادة بناء الدولة.
الأثر الاقتصادي والسياسي محلياً وإقليمياً
إن نجاح هذه المسارات لن يقتصر تأثيره على الداخل العراقي فحسب، بل سيمتد ليشمل المحيط الإقليمي والدولي. محلياً، ستسهم هذه الأموال في سد عجز الموازنة وتخفيف وطأة الديون العامة التي تجاوزت 83 مليار دولار، فضلاً عن حل أزمة السيولة الخانقة. إقليمياً ودولياً، يعزز هذا التوجه ثقة المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين الأجانب في بيئة العمل العراقية، مما يمهد الطريق لاستقرار سياسي واقتصادي طويل الأمد في منطقة الشرق الأوسط.
عقبات قانونية وجدل سياسي حول مبدأ التسوية
بالرغم من الآمال المعقودة على خيار التسويات، إلا أنه يواجه معارضة سياسية وقانونية واسعة. حيث يرى معارضون، ومنهم نواب في البرلمان العراقي مثل النائب محمد الخفاجي، أن هذا المسار قد يفرغ القوانين العقابية من محتواها. ويستند المعترضون إلى المادة (19) من قانون هيئة النزاهة العراقية، والتي تفرض عقوبة السجن لمدة لا تقل عن سبع سنوات في قضايا الكسب غير المشروع، ملزمةً المدانين برد الأموال بالكامل ودفع غرامات مالية تعادل ضعف المبالغ المختلسة، مما يجعل التسوية خياراً مثيراً للجدل القانوني والدستوري.


