مع انتهاء المهلة الدستورية المحددة بخمسة عشر يوماً لتكليف مرشح لرئاسة الوزراء، دخل العراق رسمياً في أزمة سياسية معقدة، ليجد نفسه مرة أخرى أمام شبح الفراغ الدستوري. هذا الإخفاق، الذي يعود سببه إلى الانقسامات العميقة داخل تحالف “الإطار التنسيقي” الحاكم، يعيد إلى الأذهان سيناريوهات الانسداد السياسي التي عانت منها البلاد في السنوات الماضية، لكن في ظل ظروف إقليمية ودولية أكثر حساسية.
فشلت القوى السياسية في التوافق على شخصية تخلف رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، أو التجديد له لولاية ثانية، وذلك بعد تجاوز السقف الزمني الذي حدده الدستور في المادة 76، والذي يبدأ منذ انتخاب رئيس الجمهورية. ويُعزى هذا التعثر إلى صراع الإرادات داخل الإطار التنسيقي، الذي يضم أبرز القوى الشيعية، حيث لم يتمكن من حسم خلافاته حول هوية المرشح الأنسب للمرحلة المقبلة.
صراع الإرادات وتعدد المرشحين
تكمن جذور الأزمة الحالية في الخلافات بين تيارين رئيسيين داخل الإطار. الأول، يتمسك بترشيح شخصيات قيادية من الصف الأول لضمان تشكيل حكومة قوية سياسياً، بينما يدفع التيار الآخر نحو خيار تسوية يتمثل في مرشح مقبول من جميع الأطراف لتجنب أي اصطدام محتمل مع قوى داخلية أو رفض من أطراف دولية. ووفقاً لمصادر مطلعة، تم تداول أسماء عدة في أروقة التحالف، من بينها اسم باسم البدري كمرشح تسوية يحظى بدعم من رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، لكنه لم يلق الإجماع المطلوب. في المقابل، لا يزال اسم رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني مطروحاً بقوة كخيار للاستمرارية، رغم وجود انقسام داخلي حول منحه ولاية ثانية. كما تتردد أسماء أخرى مثل حيدر العبادي وقاسم الأعرجي ومحمد صاحب الدراجي كخيارات “اللحظة الأخيرة” التي قد تحظى بقبول وطني ودولي أوسع للخروج من مأزق الفراغ الدستوري.
تداعيات الفراغ الدستوري على استقرار العراق
إن الدخول في فراغ دستوري لا يمثل مجرد أزمة سياسية عابرة، بل يحمل في طياته تداعيات خطيرة على استقرار الدولة العراقية. فغياب حكومة كاملة الصلاحيات يشل قدرة السلطة التنفيذية على اتخاذ قرارات استراتيجية، ويؤخر إقرار الموازنة العامة، ويعطل المشاريع الخدمية والاقتصادية، مما يؤثر سلباً على حياة المواطنين بشكل مباشر. على الصعيد الأمني، يمكن أن تستغل جماعات متطرفة حالة عدم الاستقرار السياسي لتنفيذ هجمات وزعزعة الأمن. أما إقليمياً ودولياً، فإن عراقاً بلا حكومة فاعلة يصبح ساحة مفتوحة لتجاذبات القوى الإقليمية ويفقد زخمه الدبلوماسي. هذا الوضع يستدعي إلى الذاكرة أزمة عام 2021 التي استمرت عاماً كاملاً وأدت إلى شلل شبه تام في مفاصل الدولة، قبل أن يتم التوافق على حكومة السوداني.
ومع انقضاء المهلة الدستورية، يبقى المشهد العراقي مفتوحاً على جميع الاحتمالات، وسط ترقب شعبي ودولي لإيجاد مخرج سياسي يجنب البلاد الانزلاق نحو المجهول ويعيد العملية السياسية إلى مسارها الصحيح.


