تتجه الأنظار نحو زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى واشنطن، وهي زيارة تحمل في طياتها ملفات استراتيجية بالغة التعقيد، على رأسها مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة ومساعي تفكيك الفصائل المسلحة. فقبل أن تطأ قدماه العاصمة الأمريكية، تشير مصادر عراقية مطلعة إلى أن السوداني يسعى لإبرام ما يُعرف بـ”تسوية حزيران”، وهي تفاهمات قد ترسم ملامح جديدة للمشهد العراقي، حيث تهدف إلى مقايضة الاستثمارات الأمريكية الواسعة بإنهاء النفوذ الإيراني وإعادة هيكلة الجماعات المسلحة لضمان سيادة الدولة.
صفقة يونيو: استثمارات أمريكية مقابل سيادة عراقية
تكمن أهمية هذه التحركات في طبيعة الصفقة المقترحة. فوفقاً لمصدر حكومي، فإن أي فصائل أو شخصيات شاركت في التصعيد الأخير بين واشنطن وطهران لن يكون لها مكان في الهيكل الإداري الرسمي للدولة العراقية. ويُتوقع أن يؤدي هذا الإجراء، في حال تطبيقه، إلى إخراج ما يقارب 3000 موظف من الدوائر الحكومية ينتمون لتلك الفصائل. يرى مراقبون أن هذه الخطوة الجريئة تمثل محاولة من السوداني لبناء رصيد سياسي قوي وتقديم أوراق اعتماد لإدارة الرئيس دونالد ترامب، خاصة في ظل التحديات التي تواجه حكومته في استكمال تشكيلتها الوزارية وملف حصر السلاح بيد الدولة.
تحديات تفكيك الفصائل المسلحة: بين الشكلية والواقع
إن قضية تفكيك الفصائل المسلحة في العراق ليست وليدة اللحظة، بل هي إرث معقد يعود إلى سنوات الحرب ضد تنظيم “داعش”. تشكلت العديد من هذه الفصائل تحت مظلة “الحشد الشعبي” عام 2014 استجابة لفتوى المرجعية الدينية، ولعبت دوراً محورياً في تحرير الأراضي. ورغم دمجها لاحقاً في القوات المسلحة العراقية، احتفظت فصائل نافذة بولاءات خارجية وبنية تحتية عسكرية مستقلة، مما خلق تحدياً دائماً لسيادة الدولة. وتواجه حكومة السوداني عقبة كبرى في هذا الملف، حيث تصف مصادر مطلعة عملية تسليم السلاح التي جرت بأنها كانت “شكلية”، إذ اقتصرت على صواريخ وطائرات مسيّرة معطلة، بينما ظل السلاح الثقيل الذي تطالب به واشنطن في حوزة تلك الجماعات. وفي المقابل، تؤكد الفصائل أنها سلمت كامل ترسانتها، وتتحدى واشنطن بتقديم دليل على وجود أسلحة مخفية.
أبعاد إقليمية في ظل التوتر الأمريكي الإيراني
تتزامن هذه الجهود العراقية مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. فالصواريخ الباليستية، التي تعد جوهر الخلاف، نُقلت في وقت سابق من إيران إلى العراق، وترفض طهران تسليمها تحت أي ظرف. ويزيد من تعقيد المشهد إعلان الرئيس دونالد ترامب أن الاتفاق المؤقت مع إيران قد انتهى، وذلك عقب موجة جديدة من الهجمات التي استهدفت ناقلات نفط في مضيق هرمز. وبالتالي، فإن زيارة السوداني لواشنطن لا تقتصر على الشأن العراقي الداخلي، بل تكتسب بعداً إقليمياً خطيراً، حيث يُنظر إلى خطواته تجاه الفصائل على أنها مؤشر على الموقف الذي سيتخذه العراق في خضم هذا الصراع المحتدم بين حليفيه الرئيسيين، واشنطن وطهران.


