أعلنت الحكومة العراقية، برئاسة علي الزيدي، عن خطوة أمنية وسياسية بالغة الأهمية تتمثل في تحديد مهلة نهائية لعملية تسليم سلاح الفصائل في العراق والمجموعات المقربة من طهران، وحددت يوم 30 سبتمبر المقبل كآخر موعد لإنهاء هذا الملف الحساس. ويتزامن هذا التاريخ المفصلي مع الموعد المقرر لانتهاء مهمة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” في البلاد، وهو ما يضع الدولة العراقية أمام تحدي فرض سيادتها الكاملة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية فقط.
سياق تاريخي: صراع السيادة والسلاح المنفلت
تأسست معظم هذه الفصائل المسلحة تحت مظلة “هيئة الحشد الشعبي” في عام 2014 استجابةً لفتوى الجهاد الكفائي لمواجهة تمدد تنظيم “داعش” الإرهابي الذي سيطر على مساحات شاسعة من شمال وغرب العراق. ورغم دمج الحشد الشعبي لاحقاً ضمن المؤسسة العسكرية الرسمية الخاضعة للقائد العام للقوات المسلحة، إلا أن بعض الفصائل النافذة والمقربة من إيران، مثل كتائب حزب الله، وكتائب سيد الشهداء، وحركة النجباء، حافظت على استقلالية قرارها العملياتي وترسانتها العسكرية. وطالما استخدمت هذه الجماعات ذريعة محاربة التنظيمات المتطرفة والوجود الأجنبي لتبرير الاحتفاظ بسلاحها، مما خلق حالة من ازدواجية السلطة الأمنية داخل الدولة العراقية وأدى إلى توترات مستمرة مع القوى الإقليمية والدولية، لا سيما الولايات المتحدة.
حملة مكافحة الفساد وعلاقتها بملف تسليم سلاح الفصائل في العراق
تأتي هذه المهلة الحاسمة لـ تسليم سلاح الفصائل في العراق بالتزامن مع حملة أمنية وقضائية غير مسبوقة ضد الفساد المالي والإداري، أسفرت عن اعتقال 47 متهماً من بينهم نواب ومسؤولون بارزون. وأكد رئيس الوزراء علي الزيدي أنه “لا حصانة لأي فاسد”، مشدداً على أن هذه الصولة هي الجولة الأولى لاستعادة الأموال العامة. ويرى مراقبون ودبلوماسيون في بغداد أن هذه الاعتقالات، التي استهدفت شبكات تمويل الفصائل وتهريب النفط والدولار، تأتي كجزء من التحضيرات لزيارة الزيدي المرتقبة إلى واشنطن في منتصف يوليو الجاري. ويهدف الزيدي من خلال هذه الخطوات إلى إثبات جديته أمام الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب في حصر السلاح وضبط الحدود ومكافحة غسيل الأموال، خاصة بعد الضغوط الاقتصادية الأمريكية التي شملت تقييد تدفقات الدولار إلى العراق.
تداعيات القرار وأهميته على الاستقرار الإقليمي
يحمل قرار نزع السلاح وفرض سلطة القانون أبعاداً وتأثيرات محلية وإقليمية ودولية بالغة الأهمية. محلياً، يمثل نجاح هذه الخطوة ركيزة أساسية لاستعادة هيبة الدولة وبناء اقتصاد مستقر يجذب الاستثمارات الخارجية بعيداً عن تهديد السلاح المنفلت. إقليمياً، يسهم حصر السلاح بيد الدولة في تحييد العراق عن الصراعات الإقليمية، ومنع استخدام أراضيه كمنطلق للهجمات المتبادلة بين الفصائل وإسرائيل أو القوات الأمريكية. أما دولياً، فإن هذه الخطوة تعزز ثقة المجتمع الدولي في الحكومة العراقية كشريك موثوق قادر على حماية البعثات الدبلوماسية والشركات الأجنبية، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية المتوازنة بعد رحيل قوات التحالف الدولي.


