مع اقتراب المهلة الدستورية لترشيح رئيس وزراء جديد من نهايتها، تتجه الأنظار بقلق نحو المشهد السياسي العراقي الذي يبدو أنه على وشك الدخول في مأزق دستوري في العراق مجدداً. وتواجه قوى “الإطار التنسيقي”، التحالف الشيعي الحاكم، سباقاً محموماً مع الزمن لحسم مرشحها لمنصب رئاسة الوزراء، وسط خلافات داخلية عميقة تهدد بإعادة البلاد إلى حالة من الفراغ السياسي التي شهدتها عقب انتخابات 2021.
ويعقد “الإطار التنسيقي” اجتماعات وصفت بـ”المصيرية” خلال الساعات الأخيرة قبل انقضاء المهلة، في محاولة للتوصل إلى اسم يحظى بالإجماع. إلا أن الانقسامات، خاصة بين تيار رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني وائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، حالت دون تحقيق هذا التوافق، مما دفع القادة إلى البحث عن “خيار ثالث” قد يكون حلاً وسطاً يرضي جميع الأطراف. لكن حتى هذا الخيار لم يتبلور بعد، في ظل فشل المحاولات السابقة لتمرير أسماء لم تحظَ بالأغلبية المطلوبة داخل التحالف.
جذور الأزمة: نظام المحاصصة وتداعيات الماضي
لا يمكن فهم الأزمة الحالية بمعزل عن السياق التاريخي والسياسي الذي تشكل في العراق منذ عام 2003. فقد أرسى النظام السياسي الجديد مبدأ “المحاصصة” الطائفية والعرقية، والذي يقضي بتوزيع المناصب السيادية بين المكونات الرئيسية (الشيعة، السنة، والأكراد). ورغم أن هذا النظام هدف إلى ضمان تمثيل الجميع، إلا أنه خلق تركة من الانقسامات العميقة وجعل عملية تشكيل الحكومات رهينة لمفاوضات معقدة ومساومات طويلة بين الكتل السياسية. وقد أدت هذه الآلية مراراً إلى تأخير تشكيل الحكومات لشهور، وأحياناً لسنوات، مما أثر سلباً على استقرار البلاد وتقديم الخدمات للمواطنين.
وتأتي هذه الأزمة استمراراً لتداعيات انتخابات أكتوبر 2021، التي أفرزت مشهداً سياسياً معقداً، حيث فاز التيار الصدري بأكبر عدد من المقاعد وحاول تشكيل حكومة أغلبية وطنية، لكنه اصطدم بمعارضة شرسة من “الإطار التنسيقي”. وبعد أشهر من الجمود، أدت استقالة نواب التيار الصدري في عام 2022 إلى تغيير موازين القوى، مما سمح للإطار التنسيقي بتشكيل الحكومة الحالية برئاسة السوداني.
ما بعد المهلة: سيناريوهات الفراغ وتأثيرها على استقرار البلاد
مع انتهاء مدة الـ15 يوماً التي يمنحها الدستور لرئيس الجمهورية لتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكبر، يدخل العراق في منطقة مجهولة قانونياً. فالدستور العراقي لم يحدد بوضوح الخطوة التالية في حال فشل الكتلة الأكبر في تقديم مرشحها، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة قد تعمق مأزق دستوري في العراق. أحد هذه السيناريوهات هو اللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا لتفسير النص الدستوري وإيجاد مخرج قانوني، وهو خيار قد يستغرق وقتاً طويلاً. أما السيناريو الآخر، وهو الأكثر خطورة، فهو الدخول في فراغ دستوري طويل الأمد، على غرار ما حدث لمدة عام كامل بعد انتخابات 2021.
إن أي تأخير إضافي في تشكيل الحكومة سيكون له تداعيات وخيمة على الصعيدين المحلي والإقليمي. فعلى المستوى المحلي، يؤدي الفراغ السياسي إلى شلل في مؤسسات الدولة، وتأخير إقرار الموازنة، وتوقف المشاريع الخدمية، مما يزيد من معاناة المواطنين ويفاقم من حالة انعدام الثقة بين الشعب والطبقة السياسية. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن عدم الاستقرار في العراق يفتح الباب أمام تصاعد نفوذ القوى الخارجية والجماعات المسلحة، ويهدد الجهود المبذولة لمكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار في منطقة مضطربة بالفعل.


