مقدمة: التهديدات الإيرانية للخليج وازدواجية الخطاب
يؤكد المحللون السياسيون والخبراء الاستراتيجيون أن التهديدات الإيرانية للخليج العربي والمملكة العربية السعودية تكشف بوضوح عن فجوة واسعة وتناقضات عميقة في السياسة الخارجية الإيرانية. ففي حين تتبنى الدبلوماسية الإيرانية خطاباً ناعماً يدعو إلى حسن الجوار والتعاون الإقليمي، مدعية أن عملياتها العسكرية موجهة حصراً ضد القواعد الأجنبية أو الإسرائيلية، يثبت الواقع الميداني عكس ذلك تماماً. إذ تتجه بوصلة الاستهداف الفعلي نحو البنية التحتية المدنية، والمنشآت الاقتصادية الحيوية لدول المنطقة، مما يطرح تساؤلات جدية حول النوايا الحقيقية لطهران.
الجذور التاريخية: تصدير الثورة واستراتيجية الوكلاء
لفهم طبيعة التهديدات الإيرانية للخليج، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي الذي أعقب ثورة عام 1979. منذ ذلك الحين، تبنت طهران مبدأ “تصدير الثورة” كركيزة أساسية في سياستها الخارجية. ولتجنب المواجهات العسكرية المباشرة، أسست إيران شبكة معقدة من الميليشيات المسلحة عبر ما يُعرف بـ “الحرب بالوكالة”، والتي يديرها بشكل رئيسي “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري. ورغم المبادرات الخليجية المستمرة لإرساء قواعد الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، استمرت طهران في تسليح وتمويل هذه الأذرع لزعزعة استقرار الشرق الأوسط، متخذة منها غطاءً للتهرب من التبعات القانونية والدولية لهجماتها.
استهداف البنية التحتية: تصعيد يتجاوز الشعارات
على النقيض من الشعارات الرسمية، تركز التهديدات الإيرانية للخليج على ضرب مقدرات اقتصادية لا صلة لها بالوجود العسكري الأجنبي. وتُظهر البيانات الأمنية والملاحية تسجيل عشرات الحوادث التي استهدفت سفناً تجارية وناقلات نفط في مياه الخليج العربي ومضيق هرمز. ولم يتوقف التصعيد عند الممرات المائية، بل شمل محاولات متكررة لاستهداف مطارات مدنية في السعودية والإمارات والكويت باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية. ولعل الهجوم المروع على منشآت “أرامكو” في بقيق وخريص عام 2019 يمثل دليلاً دامغاً على هذا النهج، حيث استهدف عصب الطاقة العالمي، إلى جانب التهديدات المستمرة لموانئ حيوية في عُمان والبحرين.
التداعيات الدولية: أمن الطاقة العالمي في دائرة الخطر
إن التهديدات الإيرانية للخليج لا تمثل خطراً محلياً فحسب، بل تشكل تهديداً مباشراً للأمن الاقتصادي العالمي. يُعد مضيق هرمز الشريان الأهم للطاقة في العالم، حيث يمر عبره نحو 20% من استهلاك النفط العالمي يومياً. إن أي محاولة لتعطيل الملاحة أو ضرب الموانئ التجارية تضع أسواق الطاقة العالمية تحت ضغط هائل وتؤدي إلى تذبذب الأسعار. وتكشف هذه الممارسات عن استراتيجية إيرانية تعتمد على “الابتزاز الأمني”، وهو ما يتطابق مع عقيدة الحرس الثوري القائمة على مبدأ: “إما أن يكون الأمن للجميع أو ينعدم للجميع”، مما يجعل العالم بأسره رهينة لهذه التجاوزات.
صراع الأجنحة: التخبط داخل هرم السلطة الإيرانية
تتجلى المفارقة الكبرى في التخبط الواضح وصراع الأجنحة داخل مؤسسات صنع القرار في طهران. فمن جهة، يحاول الجناح الدبلوماسي، المتمثل في تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، تقديم صورة معتدلة تعتذر عن الأضرار الجانبية وتتعهد بعدم استهداف دول الجوار. ولكن سرعان ما تتبدد هذه التعهدات أمام تحركات الآلة العسكرية للحرس الثوري وتصريحات القيادات المتشددة، مثل رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني، الذي توعد بمواصلة الضربات. هذا التناقض يؤكد للمجتمع الدولي أن القرار السيادي الفعلي في إيران لا يزال مرتهناً بيد المؤسسة العسكرية المتشددة.
الموقف الخليجي: حكمة دبلوماسية واتفاقيات ملزمة
في مواجهة هذه التهديدات الإيرانية للخليج، أثبتت دول مجلس التعاون الخليجي حكمة سياسية وعقلانية استراتيجية. فقد حافظت على موقفها الثابت برفض استخدام أراضيها أو أجوائها لأي عمل عسكري ضد طهران. وتجسدت هذه النوايا السلمية في اتفاق بكين عام 2023 لاستئناف العلاقات السعودية الإيرانية، إلى جانب الجهود الدبلوماسية العُمانية الحثيثة لتخفيف التوتر بين واشنطن وطهران. ومع ذلك، فإن استمرار طهران في تجاوز الخطوط الحمراء يتطلب اليوم موقفاً دولياً حازماً وموحداً لردع هذه الممارسات، وضمان التزام إيران الفعلي بالمواثيق الدولية وحسن الجوار، حمايةً للأمن والسلم الإقليمي والدولي.


