كشفت تسريبات إعلامية متزامنة، نقلتها وسائل إعلام دولية وعربية، عن الملامح والتفاصيل الدقيقة التي تضمنها الرد الإيراني على المقترح الأمريكي الرامي إلى إنهاء حالة الحرب واحتواء التصعيد المتزايد في منطقة الشرق الأوسط. وفي ظل وجود مؤشرات تدل على تقدم حذر في مسار التفاهمات الأولية، يقابل هذا التقدم تمسك إيراني صارم برفض تفكيك المنشآت النووية أو تقديم أي تنازلات مجانية فيما يخص الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي والبرنامج النووي.
جذور الأزمة وتطورات المقترح الأمريكي
لفهم أبعاد الرد الإيراني على المقترح الأمريكي، يجب النظر إلى السياق التاريخي للأزمة النووية. تعود جذور هذا التوتر إلى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018، وما تلاه من فرض حملة الضغوط القصوى والعقوبات الاقتصادية القاسية على طهران. رداً على ذلك، قامت إيران بتقليص التزاماتها النووية تدريجياً وزيادة نسب تخصيب اليورانيوم. واليوم، تأتي هذه المفاوضات عبر الوسيط الباكستاني كمحاولة جديدة لإيجاد أرضية مشتركة تمنع الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة قد تعصف بالمنطقة.
شروط طهران: لا مساس بالبنية النووية
بحسب ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال ومصادر مطلعة، تضمن الرد الإيراني شروطاً سياسية وأمنية واقتصادية واضحة لبدء مرحلة خفض التصعيد. أوضحت التسريبات أن طهران رفضت بشكل قاطع أي مطالب أمريكية تتعلق بتفكيك منشآتها النووية، مؤكدة تمسكها بالحفاظ على بنيتها الاستراتيجية، مع إبداء مرونة تتمثل في قبول خضوع البرنامج لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما رفضت إيران تقديم أي تعهدات بإنهاء البرنامج النووي بالكامل، معتبرة تلك المطالب غير قابلة للتنفيذ.
تعليق التخصيب مقابل ضمانات صارمة
وفي مؤشر على إمكانية تقديم تنازل محدود، أبدت إيران استعدادها لتعليق تخصيب اليورانيوم لفترة تقل عن 20 عاماً، ولكن بشرط الحصول على ضمانات واضحة بإعادة اليورانيوم المنقول في حال فشل المفاوضات أو انهيار الاتفاق. واقترحت طهران ترقيق جزء من اليورانيوم عالي التخصيب ونقل الجزء المتبقي إلى دولة غير الولايات المتحدة، كخطوة لبناء الثقة دون المساس الكامل بالمخزون الاستراتيجي الإيراني.
رفع العقوبات وفك الارتباط الإقليمي
تضمن الرد الإيراني مطالبات حازمة بإلغاء العقوبات المتعلقة ببيع النفط خلال 30 يوماً، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة بالتزامن مع بدء تنفيذ التفاهمات الأولية. وشددت طهران على ضرورة تنفيذ بعض الإجراءات الأمريكية خلال مهلة زمنية محددة، مؤكدة أن أي اتفاق يجب أن يقترن بخطوات عملية متبادلة لا بوعود سياسية فقط. وعلى الصعيد الإقليمي، طالبت إيران بوقف العمليات العسكرية في لبنان، واتخاذ إجراءات لتخفيف الحصار في إطار تفاهم أوسع يشمل ملفات المنطقة والتصعيد البحري.
التداعيات الإقليمية والدولية للمفاوضات الحالية
يحمل مسار هذه المفاوضات أهمية بالغة تتجاوز الحدود الإيرانية الأمريكية. فعلى المستوى الإقليمي، يرتبط استقرار مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس استهلاك العالم من النفط، بشكل مباشر بنتائج هذه المحادثات. أي تصعيد أو إغلاق للمضيق سيؤدي إلى صدمة في أسواق الطاقة العالمية. كما أن ربط طهران لملف التهدئة بوقف العمليات في لبنان يعكس تشابك الساحات الإقليمية. دولياً، يترقب المجتمع الدولي هذه التطورات بحذر، حيث أن أي اختراق سياسي قد يوقف التصعيد العسكري ويعيد الاستقرار إلى الممرات البحرية الدولية، في حين أن فشل التفاهمات الأولية قد يدفع المنطقة نحو سيناريوهات غير محسوبة العواقب.


