في تطور لافت يكشف عن عمق التباينات الداخلية في طهران، تراجع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن اعتذاره الذي قدمه سابقاً لدول الخليج بشأن الهجمات التي طالت أراضيها. وجاء هذا التراجع السريع عقب موجة غضب عارمة وانتقادات لاذعة وجهها قادة الحرس الثوري والتيار المتشدد، مما اضطر الرئيس إلى تعديل خطابه وتبني نبرة أكثر تصعيداً تتماشى مع التوجهات العسكرية للنظام.
ضغوط الحرس الثوري وتعديل الموقف الرسمي
أفادت التقارير بأن الرئيس الإيراني قام بحذف تصريحاته السابقة من منصات التواصل الاجتماعي، والتي تضمنت اعتذاراً ضمنياً لدول الجوار، وذلك في خطوة وصفت بـ«التراجع المحرج». وفي محاولة لاحتواء الغضب الداخلي، صرح بزشكيان اليوم (الأحد) بأن بلاده «سترد بقوة على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية ولن تستسلم». ورغم تأكيده على «الأخوة مع الجيران»، إلا أنه استدرك مهدداً بالرد على أي دولة تنطلق منها هجمات ضد إيران، معتبراً أن ما وصفه بـ«العدو» يسعى لزرع الفتنة بين طهران ومحيطها الإقليمي.
الرئيس الإيراني وصراع الأجنحة في طهران
يعكس هذا الحادث بوضوح طبيعة الهيكلية السياسية المعقدة في إيران، حيث غالباً ما تصطدم التوجهات الدبلوماسية للحكومة المنتخبة بنفوذ المؤسسة العسكرية والعقائدية المتمثلة في الحرس الثوري. تاريخياً، شهدت الساحة الإيرانية تجاذبات مستمرة بين تيار يسعى لتهدئة التوترات الإقليمية لفك العزلة الاقتصادية، وتيار متشدد يرى في التصعيد العسكري وسيلة وحيدة لفرض النفوذ. ويؤكد تراجع بزشكيان تحت ضغط البرلمانيين المتشددين، مثل حميد رسائي الذي وصف موقف الرئيس بـ«غير الاحترافي»، أن الكلمة الفصل في الملفات السيادية والأمنية تظل بيد المرشد الأعلى والحرس الثوري، مما يضعف هامش المناورة أمام الرئاسة.
تصعيد عسكري متبادل وتداعيات إقليمية
بالتوازي مع السجال السياسي، تصاعدت لغة التهديد العسكري؛ حيث أعلن الحرس الثوري جاهزيته لخوض «حرب ضارية» لمدة ستة أشهر على الأقل ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، زاعماً استهداف أكثر من 200 موقع معادٍ في المنطقة. وفي المقابل، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في مقابلة مع شبكة «سي بي إس» أن القوات الأمريكية حققت «انتصارات سريعة ومذهلة»، مشيراً إلى تدمير قدرات صاروخية وبحرية إيرانية واسعة النطاق.
مستقبل العلاقات مع دول الجوار
يحمل هذا التراجع دلالات مقلقة بالنسبة لمستقبل الاستقرار في منطقة الخليج. فإصرار رئيس السلطة القضائية، غلام حسين إيجئي، على مواصلة مهاجمة ما أسماها «نقاط العدوان» في دول الجوار، يرسل إشارات سلبية حول جدوى المسارات الدبلوماسية. هذا التذبذب في المواقف الرسمية الإيرانية قد يعزز من قناعة المجتمع الدولي ودول المنطقة بأن الضمانات السياسية التي يقدمها الرئيس الإيراني قد لا تكون ملزمة للمؤسسة العسكرية، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني في الشرق الأوسط.


