سلطت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية الضوء على التناقض الصارخ في المشهد السياسي والعسكري بطهران، مشيرة إلى أن اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لجيرانه في دول الخليج العربي يكشف عن تصدعات عميقة وانقسامات حادة داخل هيكل القيادة الإيرانية. يأتي هذا الاعتذار في وقت تشهد فيه المنطقة غلياناً عسكرياً غير مسبوق، حيث تتضارب المساعي الدبلوماسية للرئاسة مع التحركات الميدانية للحرس الثوري، مما يضع مصداقية طهران الدبلوماسية على المحك.
جذور الازدواجية في القرار الإيراني
لم يكن اعتذار الرئيس الإيراني مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل جاء ليعكس أزمة بنيوية في نظام الحكم الإيراني، حيث تتوزع مراكز القوى بين الحكومة المنتخبة والمؤسسة العسكرية والدينية. تاريخياً، لطالما عانت السياسة الخارجية الإيرانية من هذه الازدواجية، حيث يسعى الجناح الإصلاحي أو المعتدل لفتح قنوات حوار مع الجوار، بينما يفرض الجناح المتشدد والحرس الثوري واقعاً مغايراً عبر القوة العسكرية. وفي هذا السياق، فاجأ بزشكيان المنطقة بتقديم اعتذار شخصي للدول الخليجية التي تضررت من الصواريخ والمسيرات الإيرانية، واصفاً الهجمات بأنها لا تمثل الإرادة السياسية للحكومة الساعية للتهدئة.
تصعيد عسكري يجهض الجهود الدبلوماسية
على الرغم من كلمات الرئيس الإيراني التي دعت دول الجوار لعدم الانجرار خلف التحالف الأمريكي الإسرائيلي، إلا أن الواقع الميداني جاء معاكساً تماماً. فبعد ساعات قليلة من تصريحاته، هزت انفجارات عنيفة قاعدة الظفرة الجوية ومنشآت حيوية في البحرين، مما يؤكد أن قرار الحرب والسلم لم يعد بيد الرئاسة وحدها. وتزامن ذلك مع تقارير عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، مما خلق فراغاً في القيادة استغله مجلس القيادة المؤقت لرفض دعوات التهدئة، واصفاً مطالب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بالاستسلام غير المشروط بأنها "أضغاث أحلام".
تداعيات استهداف البنية التحتية الخليجية
أثار هذا التصعيد غضباً واسعاً في العواصم الخليجية، لا سيما الرياض وأبو ظبي والدوحة، التي وجدت نفسها في مرمى النيران رغم إعلانها الحياد. إن استهداف المنشآت المدنية والموانئ والفنادق يهدد بنسف سنوات من الجهود الدبلوماسية الرامية لبناء الثقة في المنطقة، ويعيد العلاقات إلى مربع التوتر الأول. وقد طالب مسؤولون إماراتيون بوقف فوري لما وصفوه بـ"العدوان على دول الخليج"، مؤكدين أن طهران تعزل نفسها دولياً وإقليمياً بهذه التصرفات المتهورة التي طالت حتى الدول التي حاولت الحفاظ على علاقات متوازنة معها مثل سلطنة عمان والكويت والعراق.
فاتورة الحرب والخسائر البشرية
وفي لغة الأرقام التي تعكس مأساوية المشهد، أحصى السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة سقوط 1332 قتيلاً مدنياً جراء الغارات الأمريكية الإسرائيلية المكثفة، بالإضافة إلى آلاف الجرحى، في حين ردت طهران بعمليات أسفرت عن مقتل عدد من الإسرائيليين والعسكريين الأمريكيين. وامتدت رقعة الصراع لتشمل المياه الإقليمية، حيث تباهى ترامب بإغراق 42 سفينة إيرانية في غضون ثلاثة أيام، وهو ما نفته طهران، بينما استمر الحرس الثوري في استهداف حركة الملاحة، بما في ذلك إغراق ناقلة نفط تابعة لجزر مارشال في مضيق هرمز، مما ينذر بكارثة بيئية واقتصادية عالمية.


