تشهد القيادة الإيرانية خلافات داخلية متصاعدة بشأن إدارة الصراع مع الولايات المتحدة ومستقبل نظام الحكم، وسط انقسام واضح بين تيارين رئيسيين حول خيارات الحرب والتفاوض، رغم حرص النظام على إظهار وحدة الصف.
تباين المواقف بين المتشددين والبراغماتيين
يقود التيار المتشدد أعضاء حركة “بايداري” (الثبات)، وهم شخصيات أيديولوجية تسعى لتعزيز القبضة الداخلية للنظام وترفض تقديم أي تنازلات للولايات المتحدة، داعية لمواصلة القتال لتحقيق ما تصفه بـ”النصر الكامل”.
في المقابل، يدعم الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان باقر قاليباف تياراً براغماتياً يرى ضرورة الجمع بين العمل العسكري والدبلوماسية. ويعتبر هذا التيار أن المفاوضات امتداد للضغط العسكري وليست بديلاً عنه، مدفوعاً بالمخاوف من التداعيات الاقتصادية والضغوط الاجتماعية الناتجة عن الحرب.
صراع النفوذ ومستقبل السلطة
يعكس هذا التنافس صراعاً أعمق على مرحلة ما بعد الحرب وتحديد شكل السلطة، في ظل غموض يحيط بموقف المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لا يزال بعيداً عن الظهور العلني إثر إصابته في الهجوم الذي أودى بحياة والده علي خامنئي. ويؤكد كلا المعسكرين أنه يحظى بدعم المرشد الجديد.
وكان معسكر بزشكيان وقاليباف قد حقق تقدماً سياسياً عقب اتفاق وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة في أبريل، والذي حظي بتأييد واسع داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، باستثناء معارضة سعيد جليلي، أحد أبرز رموز التيار المتشدد. إلا أن انهيار الاتفاق وتجدد المواجهات واستمرار العقوبات الأمريكية قلصت فرص التهدئة.
ضغوط داخلية وأزمة اقتصادية متفاقمة
كثف المتشددون ضغوطهم الداخلية مستغلين نفوذهم في هيئة الإذاعة والتلفزيون والتجمعات الشعبية لمهاجمة دعاة التفاوض. وشهدت جنازة علي خامنئي هتافات مؤيدة للانتقام من الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما تعرض الرئيس بزشكيان لهتافات معادية. كما اتهمت الحكومة التلفزيون الرسمي بإثارة الانقسام بعد قطع بث كلمتي قاليباف وبزشكيان أثناء حديثهما عن المفاوضات.
وعزز المتشددون حضورهم بتشديد الرقابة الاجتماعية، حيث أغلقت السلطات عدداً من المقاهي في طهران التي كانت متنفساً للسكان خلال فترة وقف إطلاق النار، وهو ما اعتبره إصلاحيون دليلاً على تنامي نفوذ التيارات الدينية المحافظة.
من جهته، يحذر التيار البراغماتي من أن استمرار الحرب يفاقم الأزمة الاقتصادية المتمثلة في تراجع العملة وارتفاع التضخم والبطالة، ويرى أن التوصل إلى اتفاق مع واشنطن قد يفتح الباب لرفع العقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات المجمدة. وتزامن ذلك مع مؤشرات سخط شعبي، شملت عريضة وقعتها أكثر من 250 شخصية عامة وأكاديمية ورجل دين تطالب بوقف الحرب، إلى جانب انتقادات متزايدة لأحكام الإعدام بحق المحتجين.


