مقدمة: تناقض الخطاب الدبلوماسي مع الواقع الميداني
في ظل التصعيد العسكري المتسارع الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، يبرز تناقض صارخ بين الخطاب الدبلوماسي الإيراني والوقائع الميدانية. فبينما يكرر المسؤولون الإيرانيون، وعلى رأسهم وزير الخارجية عباس عراقجي، أن العمليات العسكرية لطهران تقتصر حصراً على استهداف الأصول والقواعد العسكرية الأمريكية، تكشف التقارير الدولية والشواهد على الأرض واقعاً مغايراً تماماً. لقد امتدت الهجمات الإيرانية في الخليج لتطال منشآت مدنية وبنى تحتية اقتصادية حيوية، مما يضع المنطقة أمام تحديات أمنية غير مسبوقة.
السياق العام والخلفية التاريخية للتوترات
تاريخياً، لم تكن استراتيجية استهداف الممرات المائية والمنشآت الاقتصادية جديدة على السياسة الإيرانية. تعود جذور هذه التكتيكات إلى حقبة “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب العراقية الإيرانية، حيث تم استهداف السفن التجارية للضغط على المجتمع الدولي. وفي السنوات الأخيرة، اعتمدت طهران بشكل متزايد على استراتيجية توظيف الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية لتهديد أمن المنطقة. هذا التصعيد المستمر يعكس محاولة لفرض معادلات ردع جديدة، متجاهلاً القوانين والأعراف الدولية التي تجرم بشكل قاطع استهداف الأعيان المدنية.
منشآت مدنية تحت النيران: خسائر بشرية ومادية
تشير التقديرات والتقارير الميدانية إلى أن الاستهدافات طالت نحو سبع دول عربية، معظمها خليجية، بآلاف الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة منذ اندلاع المواجهات. وقد شملت هذه الضربات مطارات وموانئ ومنشآت نفطية حيوية. على سبيل المثال، أعلنت هيئة الطيران المدني في الكويت تعرض مطار الكويت الدولي لهجوم بطائرات مسيّرة أصابت نظام الرادار. وفي دولة الإمارات، تعرض ميناء الفجيرة الاستراتيجي لهجوم أدى إلى اندلاع حريق وتعطل بعض الأنشطة، وفقاً لما نقلته وكالة “بلومبيرغ”.
كما امتدت الضربات لتشمل خزانات وقود في ميناء صلالة العماني، ومطار أبوظبي، ومصفاة رأس تنورة. وفي حادثة مأساوية بمدينة الخرج السعودية، سقط مقذوف على موقع سكني تابع لإحدى شركات الصيانة والنظافة، مما أسفر عن وفاة مقيمين من الجنسيتين الهندية والبنغلاديشية وإصابة 12 آخرين، بالإضافة إلى أضرار مادية جسيمة، مما يؤكد زيف الادعاءات باقتصار الهجمات على الأهداف العسكرية.
مضيق هرمز وتهديد أمن الملاحة الدولية
لم تقتصر الهجمات الإيرانية في الخليج على الأهداف البرية، بل امتدت لتشكل تهديداً مباشراً للملاحة البحرية في مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات المائية الحيوية للطاقة في العالم، حيث يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز العالمية. سجلت تقارير دولية تعرض عدة سفن تجارية وناقلات نفط لأضرار مباشرة، مما اضطر طواقمها لإخلائها بعد اندلاع حرائق بها. وفي تطور لافت وخطير، أطلق الحرس الثوري الإيراني تحذيرات غير مسبوقة للسفن العابرة في المضيق، مهدداً بتحويلها إلى أهداف عسكرية.
التأثير المتوقع والتداعيات الإقليمية والدولية
إن استمرار هذه السياسة يحمل تداعيات واسعة النطاق. محلياً وإقليمياً، تتسبب هذه الهجمات في إزهاق أرواح المدنيين، وتعيق خطط التنمية الاقتصادية، وتزيد من تكلفة التأمين على الشحن البحري في الخليج العربي. أما على الصعيد الدولي، فإن استهداف إمدادات الطاقة يهدد باستقرار الأسواق العالمية للنفط، مما قد يؤدي إلى أزمات اقتصادية واسعة. إن تحول الصراع من أهداف عسكرية محددة إلى تهديد شامل يطال البنية المدنية والاقتصاد العالمي، يؤكد أن الحرب التي قيل إنها “محدودة” قد تحولت إلى تهديد مباشر للأمن والسلم الدوليين.


