كشف رئيس منظمة الطيران المدني الإيرانية، أبوذر شيرودي، عن تفاصيل مثيرة تتعلق بعملية نقل طائرات مدنية إيرانية إلى خارج البلاد ومطارات بديلة آمنة خلال فترة التوترات العسكرية الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وأوضح شيرودي أن هذه الخطوة الاستباقية جاءت لحماية الأسطول الجوي المدني والبنية التحتية لقطاع الطيران من أي استهداف مباشر قد يعطل حركة الملاحة الجوية أو يدمر الأصول المدنية الحيوية للدولة، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الخطة الأمنية قد نُفذ بنجاح تام.
تفاصيل خطة “التشتيت” لتأمين الأسطول الجوي
وفقاً للتصريحات الرسمية، فقد شملت الإجراءات الإيرانية نقل 34 طائرة مدنية إلى خارج الحدود، إلى جانب تنفيذ ما يقارب 133 عملية نقل داخلي للطائرات من مطاري “الإمام الخميني” و”مهرآباد” الدوليين في العاصمة طهران إلى مطارات أخرى اعتبرت أكثر أمناً وعمقاً في الداخل الإيراني. وتأتي هذه الخطوات ضمن سياسة أطلق عليها “التشتيت” أو “التوزيع الجغرافي” للأسطول، والتي تم التنسيق فيها بشكل وثيق بين منظمة الطيران المدني وهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية والدفاع الجوي.
ولم تقتصر الخطة على نقل الطائرات فحسب، بل شملت أيضاً تحويل مسارات الرحلات الجوية العابرة للأجواء الإيرانية إلى مسارات بديلة عبر دول جوار صديقة، وذلك لضمان سلامة الطيران المدني الدولي وتجنب أي كوارث إنسانية قد تنجم عن العمليات العسكرية المحتملة في المنطقة.
الجدل الدبلوماسي والرد الباكستاني على تقارير الإيواء
أثارت هذه التحركات لغطاً دبلوماسياً كبيراً بعد أن نقلت شبكة “سي بي إس” (CBS) الأمريكية عن مسؤولين مطلعين أن عدداً من هذه الطائرات قد تمركز في قاعدة “نور خان” الجوية القريبة من مدينة راولبندي الباكستانية لتوفير حماية لها من الضربات الجوية. إلا أن وزارة الخارجية الباكستانية سارعت بنفي هذه التقارير، واصفة إياها بأنها “مضللة ومبالغ فيها”. وأكدت إسلام آباد أن الطائرات الإيرانية التي وصلت إلى أراضيها كانت في إطار ترتيبات لوجستية ودبلوماسية مرتبطة بمحادثات جرت خلال فترة وقف إطلاق النار، نافية وجود أي صلة عسكرية أو خطط لحماية أصول قتالية إيرانية.
سياق تاريخي: استراتيجية نقل طائرات مدنية إيرانية وحرب الخليج الثانية
تُعيد هذه الاستراتيجية الإيرانية الحالية إلى الأذهان سابقة تاريخية شهيرة حدثت خلال حرب الخليج الثانية عام 1991. في ذلك الوقت، قام النظام العراقي بنقل عشرات من طائراته العسكرية والمدنية إلى إيران لحمايتها من التدمير المحتم جراء الحملة الجوية العنيفة التي قادها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. والمفارقة التاريخية تكمن في أن طهران احتفظت بتلك الطائرات بعد انتهاء الحرب، واعتبرتها جزءاً من التعويضات المستحقة لها عن حرب الخليج الأولى (الحرب العراقية الإيرانية)، ورفضت إعادتها إلى بغداد رغم المطالبات المتكررة على مدى عقود.
الأهمية الاستراتيجية وتأثير الحدث إقليمياً ودولياً
تكتسب عملية تأمين الأسطول الجوي الإيراني أهمية بالغة على الصعيدين المحلي والدولي؛ فعلى المستوى المحلي، تسعى إيران للحفاظ على قدراتها الاقتصادية والخدمية المحدودة أصلاً بفعل العقوبات الدولية المفروضة عليها منذ سنوات، والتي تجعل من الصعب تعويض أي طائرة مدنية تتعرض للتلف. أما إقليمياً ودولياً، فإن هذه التحركات تعكس حجم الترقب والتوتر الأمني في منطقة الشرق الأوسط، وتؤكد أن الأجواء لم تعد آمنة تماماً للملاحة التجارية.
وفي هذا السياق، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال العمليات العسكرية بأن الضربات المشتركة قد شلت أو دمرت جزءاً كبيراً من القدرات الجوية والدفاعية الإيرانية، مؤكداً أن التفوق الجوي الكامل بات في يد الولايات المتحدة وحلفائها، وأن طهران لم تعد قادرة على تشكيل تهديد جوي حقيقي. ورغم هذه التأكيدات من الرئيس دونالد ترامب، تشير التقارير الفنية إلى أن الخطوات الدفاعية الإيرانية، مثل نقل الطائرات وتشتيتها، قد ساهمت جزئياً في تقليص الخسائر الكلية للقطاع المدني.


