تتزايد المؤشرات والتقارير الدولية التي تسلط الضوء على مستقبل إيران بعد الحرب، حيث تواجه البلاد تحديات هيكلية غير مسبوقة تهدد تماسك جبهتها الداخلية. وفي هذا السياق، نشرت صحيفة ‘ذا غارديان’ البريطانية تقريراً مفصلاً يتوقع دخول طهران في أزمة معيشية خانقة قد تؤدي إلى انقسامات داخلية حادة وتحديات اقتصادية واجتماعية عميقة، تتزامن مع تضخم مفرط وانكماش اقتصادي حاد يُقدر بنحو 10%، فضلاً عن أزمات مستمرة في قطاع الطاقة والكهرباء.
صراع التيارات حول مستقبل إيران بعد الحرب
تشهد الأوساط السياسية والإعلامية داخل طهران جدلاً متصاعداً حول المسار الاستراتيجي الذي يجب اتباعه في المرحلة المقبلة. فبينما تدعو تيارات إصلاحية ومعتدلة إلى ضرورة تبني سياسات انفتاحية لتخفيف الاحتقان الداخلي، يرى التيار الأصولي والمحافظ، مدعوماً بشخصيات مقربة من فريق التفاوض مثل سعيد آجورلو، أن على طهران استثمار ما يصفونه بـ ‘تحطيم صورة إيران الضعيفة’ لدى الغرب. ويطالب هذا التيار بالتركيز على التنمية القائمة على الاستقلالية الوطنية وتعزيز الاكتفاء الذاتي، متجاهلاً التحذيرات من تداعيات العزلة المستمرة.
الجذور التاريخية للأزمات المعيشية والاجتماعية
لا يمكن فصل الأزمة الحالية عن السياق التاريخي الطويل الذي مرت به إيران؛ فالبلاد تعاني منذ عقود من وطأة العقوبات الدولية المفروضة بسبب برنامجها النووي وسياساتها الإقليمية. وقد تراكمت هذه الأزمات لتنفجر في شكل احتجاجات شعبية دامية، كان آخرها في يناير الماضي. ويحذر أستاذ علم الاجتماع الإيراني، فؤاد حبيبي، من أن مسببات تلك الاحتجاجات لم تختفِ بل تفاقمت بفعل الحرب الأخيرة. وأشار حبيبي إلى أن التماسك الاجتماعي المؤقت الذي تشهده البلاد حالياً يعود فقط لوجود ‘تهديد خارجي مشترك’، وبمجرد زوال هذا التهديد، ستطفو الخلافات الداخلية العميقة على السطح مجدداً، خصوصاً مع خسارة أكثر من مليوني مواطن لوظائفهم بسبب قيود الإنترنت الصارمة.
التضخم الغذائي وتأثيره الإقليمي والدولي
على الصعيد الاقتصادي، يدخل الاقتصاد الإيراني مرحلة السلم وهو مثقل بأعلى معدلات تضخم غذائي منذ الحرب العالمية الثانية. ووفقاً للمركز الإحصائي الإيراني، بلغ التضخم السنوي للمواد الغذائية نحو 130%، بينما قفزت أسعار اللحوم والدواجن بنسبة مرعبة بلغت 176%. هذا الانهيار المعيشي دفع خبراء الصحة إلى التحذير من كارثة صحية تشمل سوء التغذية وهشاشة العظام وتأخر نمو الأطفال نتيجة عجز الأسر عن شراء منتجات الألبان الأساسية.
إقليمياً ودولياً، فإن استمرار هذه الأزمة قد يحد من قدرة طهران على تمويل نفوذها الإقليمي، مما قد يدفعها إلى مراجعة حساباتها الجيوسياسية أو المخاطرة بانفجار داخلي يزعزع استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
معركة الموائد وقنبلة ترامب ونتنياهو
يرى مراقبون أن مستقبل الاقتصاد الإيراني بات معلقاً بقرارات واشنطن وتحديداً مدى استعداد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتخفيف العقوبات أو الإفراج عن الأصول المجمدة. ومع ذلك، يؤكد خبراء اقتصاد أن أي انفراجة محتملة لن تغطي سوى جزء ضئيل من الخسائر الهائلة التي لحقت بالبنية التحتية والمنشآت التعليمية وقطاع الطاقة والصلب، والتي تُقدر بنحو 270 مليار دولار.
وفي هذا الصدد، حذر وزير الاتصالات الإيراني السابق، محمد جهرومي، من أن ‘القنبلة القادمة’ التي قد يلقيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن تكون عسكرية بل اقتصادية متمثلة في التضخم، مؤكداً أن ساحة الصراع الحقيقية ستكون موائد المواطنين وإيجارات المساكن. ومع بدء التخفيف التدريجي لقيود الإنترنت، بدأت مؤشرات التذمر الشعبي بالظهور مجدداً، مما دفع نواباً محافظين للمطالبة بعزل وزير الاتصالات الحالي، في مؤشر واضح على هشاشة الوضع الداخلي.


