تحول جذري في العقيدة النووية الإيرانية
يشهد المشهد السياسي والديني في إيران تحولاً لافتاً يعكس ارتدادات التوترات العسكرية الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط. فقد برز داخل الأوساط الدينية والسياسية الإيرانية نقاش جديد ومثير للجدل يهدف إلى منح السلاح النووي غطاءً شرعياً، وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع المواقف الرسمية السابقة التي طالما أكدت أن طهران لا تسعى إلى امتلاك أسلحة دمار شامل. وكشفت تقارير إعلامية عن نقاشات مكثفة يقودها رجال دين بارزون في مدينتي قم ومشهد، تتجه نحو إقرار فتوى جديدة تعتبر امتلاك السلاح النووي «ضرورة شرعية» في ظل التهديدات الوجودية والحروب الجارية. وبحسب مصادر مطلعة، فإن هذا الطرح الذي كان يُناقش بعيداً عن العلن، بدأ يُروّج له بشكل صريح بقيادة شخصيات دينية نافذة، في مؤشر خطير على تحول في الخطاب الفقهي المرتبط بالأمن القومي الإيراني.
السياق التاريخي: من السلمية إلى حافة العتبة النووية
لفهم أبعاد هذا التحول، يجب النظر إلى السياق التاريخي للبرنامج النووي الإيراني. لعقود طويلة، استندت طهران في دفاعها الدبلوماسي إلى فتوى أصدرها المرشد الإيراني علي خامنئي في أوائل الألفية، تُحرم إنتاج واستخدام أسلحة الدمار الشامل. وقد شكلت هذه الفتوى حجر الزاوية في المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015. إلا أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 وإعادة فرض العقوبات، دفع إيران إلى التخلي التدريجي عن التزاماتها. واليوم، تمتلك إيران برنامجاً متطوراً يشمل تخصيب اليورانيوم بنسب مرتفعة وصلت إلى 60% في منشآت محصنة مثل نطنز وفوردو، وهو مستوى يقربها تقنياً من العتبة اللازمة لإنتاج سلاح نووي (90%).
تصريحات رسمية تفتح باب المراجعة
في خضم هذا التحول، جاءت تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لتزيد من التكهنات، حيث أشار إلى أن الفتوى «مرتبطة بالشخص الذي يصدرها»، موضحاً أنه ليس في موقع يسمح له بالحكم على الرأي الفقهي أو السياسي للقائد الجديد في هذا الملف. هذا التصريح يفتح الباب أمام احتمالات مراجعة الموقف الفقهي السابق. ورغم ذلك، شدد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أن بلاده «لا تسعى مطلقاً إلى تصنيع أسلحة نووية»، مؤكداً أن العقيدة النووية الإيرانية كانت دائماً سلمية.
التداعيات الإقليمية والدولية المحتملة
يحمل هذا التوجه المحتمل تداعيات جيوسياسية واسعة النطاق. على المستوى الإقليمي، يُنذر هذا التحول بإشعال سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط، حيث صرحت دول إقليمية كبرى سابقاً بأنها ستسعى لامتلاك قدرات نووية عسكرية إذا نجحت إيران في تطوير قنبلتها. أما على المستوى الدولي، فإن هذا التطور يمثل تهديداً مباشراً لمعاهدة الحد من الانتشار النووي (NPT)، ويضع المجتمع الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية أمام تحدٍ غير مسبوق قد يدفع القوى الغربية نحو خيارات قاسية تشمل تشديد العقوبات أو حتى التلويح بالخيار العسكري.
نظرية الردع: دروس من العراق وكوريا الشمالية
في المقابل، خلصت تحليلات نشرتها مجلات وصحف عالمية مثل «ناشونال إنترست» و«نيويورك تايمز» إلى أن الحرب الحالية قد تدفع إيران إلى تسريع سعيها لامتلاك السلاح النووي بدلاً من التخلي عنه. ويذهب خبراء عسكريون إلى أن المواجهة العسكرية قد تعزز لدى طهران قناعة بأن غياب الردع النووي يجعلها أكثر عرضة للهجمات. ويستشهد الخبراء بتجارب دول مثل ليبيا والعراق، حيث أدى التخلي عن برامج أسلحة الدمار الشامل إلى تدخلات عسكرية، في مقابل نموذج كوريا الشمالية التي استطاعت حماية نظامها بفضل ترسانتها النووية. وتؤكد هذه الأمثلة أن فكرة البقاء السياسي داخل الذهنية الاستراتيجية الإيرانية قد تتطلب امتلاك السلاح النووي كضمانة أمنية نهائية.


