تبدو المواجهة العسكرية المفتوحة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما من جهة أخرى، وكأنها تدخل مرحلة جديدة وحاسمة يمكن وصفها بـ “حرب استنزاف” طويلة الأمد. يتركز جوهر هذا الصراع على قدرة كل طرف على تحمل تكلفة المواجهة، وتحديداً حجم المخزون الصاروخي الذي يمتلكه، حيث يسعى كل طرف إلى استنزاف ترسانة الآخر قبل أن تنفد قدراته الدفاعية أو الهجومية.
هذا التصعيد لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة عقود من التوترات وحرب الظل بين طهران وخصومها. فمنذ الحرب العراقية الإيرانية، عملت إيران على تطوير برنامج صاروخي باليستي متقدم، معتبرة إياه ركيزة أساسية في استراتيجيتها الدفاعية ورادعاً لأي هجوم محتمل، فضلاً عن كونه أداة لتعزيز نفوذها الإقليمي. وفي المقابل، لطالما نظرت إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج إلى هذا البرنامج باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها واستقرار المنطقة، مما أسس لسباق تسلح تكنولوجي يهدف إلى تحييد هذه القدرات.
سباق التسلح: من يملك اليد العليا في المواجهة؟
شهدت الأيام الأولى من المواجهة الأخيرة إطلاق طهران لما يقارب 400 صاروخ وألف طائرة مسيّرة باتجاه قواعد ومصالح أمريكية في دول خليجية والأردن، وفقاً لبيانات استخباراتية مفتوحة المصدر. هذا الوابل الهجومي قوبل برد دفاعي منسق من الولايات المتحدة وإسرائيل ودول خليجية، التي كثفت من استخدام أنظمة دفاع جوي متطورة مثل “ثاد” (THAAD) و”آرو-3″ (Arrow-3) و”باتريوت” (Patriot).
وفي هذا السياق، أكد رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال دان كاين، أن هذه الأنظمة الدفاعية نجحت في “اعتراض مئات الصواريخ الباليستية التي كانت تستهدف القوات الأمريكية وشركاءنا والاستقرار الإقليمي”، مشدداً على أنها تعمل “تماماً كما هو مخطط لها”. إلا أن هذا النجاح الدفاعي يطرح سؤالاً استراتيجياً أكبر، كما يرى الجنرال الأمريكي المتقاعد سكوت بنديكت، الذي لخص المعادلة بأن استمرار الحرب “يتوقف على من يملك المخزون الأكبر من الذخيرة”.
استراتيجية “استهداف الرامي” وتحدي المخزون الصاروخي الإيراني
أمام الكثافة الهجومية الإيرانية، يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية قد تحولت من مجرد اعتراض الصواريخ إلى تدمير قدرة إيران على إطلاقها من الأساس. وقد عبر عن ذلك وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث بقوله إن الهدف هو “استهداف الرامي بدلاً من السهام”. يتطلب هذا النهج معلومات استخباراتية عالية الدقة وقدرة على ضرب منصات الإطلاق المتحركة التي تعتمد عليها طهران، والتي تم تدمير جزء كبير منها في جولات سابقة من الصراع.
وتشير تقديرات الخبراء إلى أن مخزونات الصواريخ الإيرانية القادرة على ضرب إسرائيل تتراوح بين بضع مئات إلى نحو ألفي صاروخ، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى مثل “شهاب-2″ و”فاتح-313”. هذا المخزون الضخم يجعل من مهمة تدميره بالكامل تحدياً هائلاً، وهو ما اعترف به هيغسيث قائلاً إن المهمة “لن تتحقق بين ليلة وضحاها، لأن ساحة المعركة واسعة”.
تكلفة الاعتراض: هل تستطيع الدفاعات الصمود طويلاً؟
لاحظ باحثون، مثل إتيان ماركوز من “مؤسسة البحث الاستراتيجي”، أن الرشقات الصاروخية الإيرانية الأخيرة تبدو أقل كثافة من مواجهات سابقة، مما يثير تساؤلات حول قدرات طهران الهجومية الحالية. ويتساءل ماركوز: “هل تحتفظ إيران بمخزونها لإطالة أمد النزاع واستنزاف خصومها، أم أنها لم تعد قادرة على تنفيذ ضربات منسقة؟”.
في المقابل، يكمن التحدي الأكبر الذي يواجه الحلفاء في التكلفة الباهظة لعمليات الاعتراض. فكل صاروخ اعتراضي من أنظمة “باتريوت” أو “آرو-3” يكلف ملايين الدولارات، بينما تكلفة الصواريخ الهجومية الإيرانية أقل بكثير. وتتطلب العقيدة العسكرية إطلاق صاروخين اعتراضيين على الأقل لكل هدف لضمان التدمير، مما يعني أن كل هجوم إيراني يستنزف الموارد المالية والعسكرية للدفاعات بشكل كبير. ورغم تأكيد وزير الحرب الأمريكي أن الحلفاء يمتلكون كميات كافية من الصواريخ الاعتراضية للصمود على المدى الطويل، إلا أن استمرار هذا الوضع يضع ضغطاً اقتصادياً ولوجستياً هائلاً، وهو جوهر حرب الاستنزاف التي تسعى إليها طهران.


