تطور التعليم العالي وتوجهات الانفتاح الأكاديمي
أعاد المستشار بالديوان الملكي ووزير التعليم السابق، الأستاذ الدكتور أحمد العيسى، تسليط الضوء على ملف حيوي يتعلق بقطاع التعليم العالي، وذلك إثر الموافقة على افتتاح فروع الجامعات الدولية في المملكة العربية السعودية. وقد طرح العيسى هذا الملف من زاوية نقدية وعميقة تتجاوز مجرد الانبهار بالأسماء العالمية الرنانة، لتضع معايير الجودة الأكاديمية، والأثر الفعلي، ومدى مواءمة هذه الفروع مع متطلبات التنمية الوطنية في صدارة الأولويات. وأكد عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» أن استقطاب مؤسسات أكاديمية ذات سمعة مرموقة يعد خطوة إيجابية تثري التجربة التعليمية وتفتح آفاقاً واسعة للطلاب، لكنه حذر من الاعتماد الكلي على سمعة الجامعة الأم دون رقابة صارمة.
تاريخياً، شهد قطاع التعليم العالي في المملكة العربية السعودية تحولات جذرية منذ تأسيس أول جامعة حكومية. ومع التطور الاقتصادي المتسارع، برزت الحاجة الماسة لتنويع مصادر المعرفة والانفتاح على التجارب العالمية. في هذا السياق، يأتي التوجه نحو استقطاب مؤسسات تعليمية عالمية كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى الارتقاء بتصنيف المملكة في مؤشرات التعليم العالمية. هذا التوجه ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لجهود مستمرة بدأت ببرامج الابتعاث الخارجي التي أطلقتها الدولة لآلاف الطلاب، وصولاً اليوم إلى استضافة التعليم العالمي داخل الحدود الوطنية، مما يعكس نضجاً في الرؤية الاستراتيجية لقطاع التعليم.
دور هيئة تقويم التعليم والتدريب
وشدد الدكتور العيسى على أن اسم الجامعة وتاريخها لا يكفيان لضمان جودة البرامج المقدمة في فروعها الخارجية. وهنا تبرز الأهمية القصوى للدور المحوري الذي يجب أن تلعبه هيئة تقويم التعليم والتدريب في المملكة. فهذه الهيئة يقع على عاتقها مسؤولية متابعة الجودة الأكاديمية، وضبط مستوى البرامج، والتأكد من أن المخرجات التعليمية تتطابق مع المعايير الوطنية والدولية.
قراءة في التجارب الخليجية السابقة
ولإثراء النقاش، استعرض العيسى تجربتين بارزتين في منطقة الخليج العربي؛ تجربة دولة قطر وتجربة إمارة دبي. أوضح أن قطر تبنت نموذجاً غير ربحي عبر «مؤسسة قطر»، حيث استقطبت جامعات مرموقة ووفرت لها مقرات متكاملة داخل «المدينة التعليمية». في المقابل، اتخذت دبي مساراً استثمارياً بحتاً من خلال إنشاء مناطق حرة متعددة مثل قرية المعرفة والمدينة الأكاديمية، مما جذب جامعات من مستويات متباينة. ورغم أن هاتين التجربتين قدمتا نماذج مقبولة، إلا أن العيسى يرى أنهما لم تحققا القفزة النوعية المرجوة في تنمية الموارد البشرية الوطنية، نظراً لأن النسبة الأكبر من الملتحقين بتلك الفروع هم من المقيمين، في حين يتجه المواطنون غالباً للتعليم الحكومي أو الابتعاث.
تحديات الاعتماد الأكاديمي في فروع الجامعات الدولية
من أبرز التحديات التي تواجه فروع الجامعات الدولية هي الفجوة المحتملة بين جودة الفرع والجامعة الأم. أشار العيسى إلى أن تأسيس هذه الفروع يتم غالباً عبر إدارات التعاون الدولي التي تحركها دوافع استثمارية بحتة، وقد تكون هذه الإدارات معزولة عن الأقسام العلمية والجهات المسؤولة عن الاعتماد الأكاديمي في الجامعة الأصلية. علاوة على ذلك، ترفض العديد من هيئات الاعتماد الأكاديمي الدولي سحب اعتماد البرنامج في الجامعة الأم تلقائياً على فروعها الخارجية، مما يحتم على هذه الفروع الحصول على اعتمادات مستقلة لضمان موثوقية شهاداتها.
الأثر المتوقع والشراكات الاستراتيجية لخدمة الاقتصاد الوطني
إن الأثر المتوقع لافتتاح هذه الفروع يتجاوز البعد المحلي ليمتد إلى المستويين الإقليمي والدولي، حيث يمكن للمملكة أن تتحول إلى مركز إقليمي جاذب للطلاب من الدول المجاورة، مما يعزز من قوتها الناعمة ويدعم الاقتصاد المعرفي. ولتحقيق هذا الأثر الإيجابي، دعا العيسى إلى حصر التخصصات المسموح بها في مجالات نوعية دقيقة تخدم مسيرة التنمية وتلبي احتياجات سوق العمل المتجددة، بعيداً عن التخصصات النظرية التقليدية. كما أكد على ضرورة بناء شراكات فاعلة مع القطاع الخاص، وتنفيذ مشاريع بحثية مشتركة مع الجامعات الحكومية والأهلية السعودية. إن نجاح هذه التجربة مرهون بربطها بجودة صارمة واعتماد واضح، وإلا فإنها قد تتحول إلى مجرد استثمار تعليمي محدود الأثر لا يخدم الأهداف الاستراتيجية الكبرى.


