عادت الاتهامات والتقارير الدولية التي تسلط الضوء على ملف قوات الدعم السريع في ليبيا إلى الواجهة مجدداً، مسببةً حالة من الجدل السياسي والعسكري في المنطقة. وتحدثت هذه التقارير عن وجود معسكرات تدريب مخصصة لعناصر سودانية تابعة لقوات الدعم السريع داخل مناطق تخضع لسيطرة القيادة العامة للجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر في شرق وجنوب البلاد. وفي المقابل، سارعت القيادة العامة للجيش الليبي إلى نفي هذه المزاعم جملة وتفصيلاً، واصفة إياها بأنها حملة دعاية مغرضة تهدف إلى تشويه صورة المؤسسة العسكرية والتشويش على الاستقرار الأمني الذي تشهده تلك المناطق.
تفاصيل التقارير الدولية حول الدعم السريع في ليبيا
استندت التقارير الأخيرة إلى تحقيقات بصرية أجرتها منظمة “لايتهاوس ريبورتس” الهولندية بالتعاون مع مرصد الحرب السودانية ومنظمة “إيفيدنت ميديا” المتخصصة في التحقيقات البصرية. وزعمت هذه الجهات وجود أربعة معسكرات تدريبية في مناطق نفوذ الجيش الوطني الليبي، من بينها موقع بالقرب من مدينة بنغازي. وادعت التقارير، بناءً على تحليل صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو مفتوحة المصدر، أن هذه المعسكرات تُستخدم لتدريب عناصر على تشغيل الطائرات المسيّرة والتعامل مع الأسلحة الثقيلة، وهو ما أعاد تسليط الضوء على ملف الدعم السريع في ليبيا وتداعياته المحتملة على استقرار الجوار المشترك.
السياق التاريخي وجذور الأزمة الأمنية على الحدود المشتركة
لفهم أبعاد هذه القضية، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية والجغرافية المعقدة بين ليبيا والسودان. تشترك الدولتان في حدود صحراوية شاسعة يصعب مراقبتها بالكامل، مما جعلها تاريخياً ممراً لشبكات التهريب، والهجرة غير الشرعية، وحركات التمرد المسلحة. منذ اندلاع النزاع المسلح في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تحولت الحدود الليبية السودانية إلى منطقة ذات حساسية أمنية بالغة. وقد سعى الجيش الوطني الليبي منذ البداية إلى تأكيد حياده، معلناً إرسال تعزيزات عسكرية لتأمين الحدود الجنوبية ومنع تدفق السلاح أو تسلل المقاتلين، معتبراً أن استقرار السودان يمثل عمقاً استراتيجياً للأمن القومي الليبي.
التأثيرات الإقليمية والدولية لملف الدعم السريع في ليبيا
تتجاوز تداعيات هذه التقارير الحدود المحلية لتلقي بظلالها على المشهدين الإقليمي والدولي. على الصعيد المحلي، تأتي هذه الاتهامات في وقت حساس تشهد فيه ليبيا تحركات دولية مكثفة لإحياء مسار التسوية السياسية المتعثرة، وتداول مبادرات أمريكية وأمَمية لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية وتشكيل حكومة موحدة تشرف على الانتخابات المنتظرة. ويرى مراقبون أن إثارة ملف الدعم السريع في ليبيا في هذا التوقيت بالذات، بالتزامن مع المبادرة المنسوبة إلى مسعد بولس، قد تكون أداة للضغط السياسي على الأطراف الفاعلة في الشرق الليبي لتقديم تنازلات في المفاوضات السياسية الجارية.
أما إقليمياً ودولياً، فإن أي مؤشرات على تداخل الصراعين الليبي والسوداني تثير قلق القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، نظراً للمخاوف من تحول منطقة الساحل والصحراء إلى بؤرة صراع مفتوحة تهدد تدفقات الطاقة وتزيد من موجات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا.
الموقف الرسمي لمجلس النواب والقيادة العسكرية الليبية
من جانبه، أكد عضو لجنة الأمن القومي في مجلس النواب الليبي، علي الصول، أن الادعاءات بوجود معسكرات تابعة لقوات الدعم السريع داخل الأراضي الليبية تفتقر إلى أي أدلة ميدانية ملموسة. وأوضح الصول أن السياسة الخارجية الليبية تقوم على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار، مؤكداً التزام ليبيا بدعم الحلول السلمية للأزمة السودانية دون الانحياز لأي طرف. وفي السياق ذاته، شدد رئيس الأركان العامة للقوات البرية، الفريق خالد حفتر، في مناسبات سابقة على أن الأزمة السودانية شأن داخلي خالص، وأن دور الجيش الليبي ينحصر تماماً في حماية الحدود السيادية ومكافحة الجريمة المنظمة والتهريب.


