كشفت تقييمات استخباراتية أمريكية حديثة عن تفاصيل دقيقة تتعلق بحجم الأضرار التي لحقت بـ صواريخ إيران جراء الغارات الأمريكية والإسرائيلية المستمرة في الحرب التي دخلت شهرها الثاني. وأفادت مصادر مطلعة بأن هذه التقييمات تؤكد تدمير نحو ثلث الترسانة الصاروخية الإيرانية، بينما تعرض ثلث آخر لأضرار بالغة أو دُفن تحت الأرض إثر القصف العنيف. أما الثلث الأخير، فوضعه لا يزال غير واضح تماماً، إلا أن التقديرات ترجح أن الضربات قد دمرت أو ألحقت أضراراً بتلك الصواريخ المخبأة داخل شبكات الأنفاق والمخابئ المعقدة.
السياق التاريخي لتصاعد التوترات واستهداف صواريخ إيران
لفهم أبعاد هذا الحدث، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية للبرنامج الصاروخي الإيراني. على مدار العقود الماضية، وتحديداً منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، اعتمدت طهران بشكل استراتيجي على تطوير ترسانة صاروخية ضخمة كأداة رئيسية للردع الإقليمي، تعويضاً عن النقص في قدرات قواتها الجوية التقليدية. وقد شكلت هذه الترسانة مصدر قلق دائم للولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط. ومع التحولات الأخيرة في قواعد الاشتباك، وانتقال الصراع من حروب الوكالة إلى المواجهة المباشرة، أصبح تحييد هذه القدرات هدفاً استراتيجياً ملحاً للعمليات العسكرية المشتركة بين واشنطن وتل أبيب.
تباين التقييمات: الاستخبارات في مواجهة تصريحات ترمب
على الرغم من حجم الدمار الذي طال القواعد العسكرية، يكشف التقييم الاستخباراتي أن طهران لا تزال تمتلك مخزوناً صاروخياً كبيراً، مع احتمالية قدرتها على استعادة بعض الصواريخ المدفونة أو المتضررة بعد توقف القتال. هذه المعطيات تتناقض بشكل صارخ مع التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي أكد خلال اجتماع حكومي أن القوات الأمريكية دمرت 99% من الصواريخ الإيرانية. وقال ترمب محذراً: «بقي 1% من الصواريخ فقط، وهذا غير مقبول، لأن 1% يعني صاروخاً واحداً قد يصيب بدن سفينة قيمتها مليار دولار».
تحدي الأنفاق المعقدة وتقييم الخبراء
في سياق متصل، شكك النائب الديمقراطي سيث مولتون، وهو من قدامى مشاة البحرية وخدم في العراق، في دقة تصريحات ترمب، مشيراً إلى أن إيران قد تكون احتفظت ببعض قدراتها بذكاء وتنتظر اللحظة المناسبة. من جهتها، اعتبرت نيكول غرايويسكي، الخبيرة في قوات الصواريخ الإيرانية بجامعة «ساينس بو» في باريس، أن الإدارة الأمريكية ربما بالغت في تقدير تأثير الضربات. وأوضحت أن طهران لا تزال قادرة على تنفيذ هجمات من قواعد مثل «بيد كانه»، محتفظة بنحو 30% من قدراتها الصاروخية داخل أكثر من 12 منشأة ضخمة تحت الأرض. هذا التعقيد الجغرافي دفع مسؤولين أمريكيين، بينهم وزير الدفاع المرشح بيت هيغسيث، إلى الاعتراف بصعوبة التقييم الدقيق، مشبهاً شبكة الأنفاق الإيرانية بتلك التي تمتلكها حماس في غزة، ومؤكداً استمرار ملاحقتها بقوة ساحقة.
التداعيات الإقليمية والدولية لمستقبل الترسانة الإيرانية
يحمل هذا الحدث أهمية استراتيجية بالغة وتأثيرات متوقعة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فمحلياً، يشكل تضرر البنية التحتية العسكرية ضربة للاقتصاد الإيراني الذي استثمر مليارات الدولارات في هذا القطاع. وإقليمياً، فإن بقاء جزء كبير من الترسانة الصاروخية الإيرانية فعّالاً يعني استمرار التهديد الأمني لدول الجوار والملاحة في الخليج العربي، مما قد يدفع دول المنطقة لتعزيز منظومات الدفاع الجوي الخاصة بها. أما على الصعيد الدولي، فإن هذه التطورات تفرض على الولايات المتحدة وحلفائها إعادة تقييم استراتيجيات الردع والاحتواء، مما ينذر باحتمالية استمرار التوترات العسكرية وبقاء منطقة الشرق الأوسط على صفيح ساخن لفترة أطول.


