أكد معالي وزير العدل الدكتور وليد بن محمد الصمعاني أن القضاء المؤسسي يعكس مرحلة متقدمة من نضج المنظومة العدلية في المملكة العربية السعودية، مؤكداً أن هذا التطور أسهم بشكل مباشر في رفع كفاءة الأداء القضائي، وتعزيز جودة الأحكام، وترسيخ استقرارها. وأوضح معاليه أن هذا النهج الاستراتيجي يقوم على تكامل التشريعات والإجراءات والممكنات التقنية، بما يحقق عدالة أكثر وضوحاً واتساقاً، ويعزز من قابلية التنبؤ بالأحكام القانونية.
التحول الرقمي والتشريعي: رحلة تطوير المنظومة العدلية
لم يأتِ هذا التطور من فراغ، بل هو تتويج لمسيرة حافلة من الإصلاحات الهيكلية والتشريعية التي شهدتها المملكة ضمن إطار رؤية السعودية 2030. ففي السنوات القليلة الماضية، انتقلت وزارة العدل من الإجراءات الورقية التقليدية إلى رقمنة كاملة للخدمات عبر منصات متقدمة، مما أحدث ثورة حقيقية في سرعة الإنجاز. وترافق هذا التحول التقني مع صدور منظومة التشريعات المتخصصة، مثل نظام المعاملات المدنية ونظام الأحوال الشخصية، والتي شكلت البنية التحتية الصلبة التي يرتكز عليها العمل القضائي اليوم، مما أسهم في تقليص أمد التقاضي وزيادة التنبؤ بالأحكام بنسبة بلغت نحو 70%.
وقد انعكس هذا النضج بشكل واضح على لغة الأرقام في منظومة التقاضي؛ إذ شهدت خدمات التقاضي الإلكتروني تنفيذ أكثر من 660 ألف جلسة قضائية عن بُعد، بالإضافة إلى إصدار أكثر من 255 ألف حكم إلكتروني خلال الربع الأول من عام 2026. هذه المؤشرات تعكس بوضوح كفاءة الإجراءات وسرعة الإنجاز التي باتت سمة بارزة للمحاكم السعودية.
أثر القضاء المؤسسي على المشهد المحلي والدولي
تتجاوز أهمية القضاء المؤسسي حدود قاعات المحاكم لتشمل تأثيرات واسعة النطاق على المستويين المحلي والدولي. فعلى الصعيد المحلي، يسهم هذا التطور في تعزيز ثقة المجتمع بالمنظومة العدلية، وحماية الحقوق، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن وجود قضاء ناجز ومستقر وشفاف يعد ركيزة أساسية لتحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات الأجنبية، مما يعزز من تنافسية المملكة عالمياً كوجهة آمنة وموثوقة للاستثمار.
وفي هذا السياق، أضاف وزير العدل أن مركز تهيئة الدعاوى يُعد أحد أهم ممكّنات هذا النضج، حيث أسهمت كفاءاته القانونية المتخصصة في تنفيذ أكثر من 380 ألف عملية خلال عام 2025، بارتفاع بلغ 39% مقارنة بالعام السابق. ويتم ذلك من خلال إعداد الدراسات الأولية للقضايا، وتهيئة الطلبات، وتقديم الدعم اللازم للقضاة في مسار نظر الدعوى.
استشراف المستقبل والاعتماد على الذكاء الاصطناعي
واختتم معاليه بالتأكيد على أن الوزارة مستمرة في تطوير منظومتها العدلية وفق نهج مؤسسي متكامل، يرتكز على تفعيل مفهوم العدالة الوقائية، والاستفادة القصوى من تقنيات الذكاء الاصطناعي. إن تكامل الأدوار داخل المنظومة يعزز موثوقية الأحكام، ويرفع كفاءة الإجراءات، ويوسّع نطاق الوصول إلى الخدمات العدلية، وصولاً إلى منظومة أكثر مرونة واستباقية قادرة على مواكبة التطور المتسارع للمجتمع ودعم استقراره الشامل.


