في خطوة تعكس حساسية الموقف السياسي والشعبي في أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، طمأن الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو قادة الجماعات الإسلامية المحلية بأن بلاده لن تتردد في الانسحاب من مجلس السلام الذي شكله الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وذلك في حال ثبت أن هذه المنصة لا تقدم أي فائدة ملموسة للفلسطينيين أو تتعارض مع المصالح الوطنية العليا لإندونيسيا.
جاءت هذه التأكيدات خلال اجتماع رفيع المستوى عقده الرئيس برابوو مساء الخميس في القصر الرئاسي بجاكرتا، ضم ممثلين عن منظمات إسلامية بارزة، بما في ذلك جبهة الإخوان المسلمين. ووفقاً لبيان صادر عن مكتب الاتصال الحكومي الإندونيسي يوم الجمعة، فقد نقل حنيف العطاس، ممثل الجبهة، عن الرئيس قوله بوضوح: «إذا رأيت أنه لم يعد هناك أي فائدة لفلسطين… وإن لم يكن يتماشى مع المصالح الوطنية لإندونيسيا، فسوف أنسحب».
موقف تاريخي ثابت ودعم غير مشروط للقضية
لفهم عمق هذا التهديد بالانسحاب، يجب النظر إلى السياق التاريخي للسياسة الخارجية الإندونيسية. لطالما كانت جاكرتا داعماً قوياً ومبدئياً للقضية الفلسطينية منذ مؤتمر باندونغ عام 1955، الذي وضع أسس حركة عدم الانحياز ومناهضة الاستعمار. وتعتبر إندونيسيا أن دعم استقلال فلسطين هو التزام دستوري وأخلاقي، حيث لا تقيم الدولة أي علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، وتشترط قيام دولة فلسطينية مستقلة كشرط مسبق لأي تطبيع محتمل.
هذا الإرث التاريخي يجعل من انخراط إندونيسيا في أي مبادرة دولية تضم إسرائيل، مثل مجلس السلام، مسألة بالغة الحساسية داخلياً، وتتطلب تبريرات قوية أمام الرأي العام الذي يرفض أي شكل من أشكال التنازل عن الحقوق الفلسطينية.
تداعيات الانسحاب من مجلس السلام ومستقبل المبادرة
يحمل التلويح الإندونيسي بالانسحاب دلالات سياسية عميقة تتجاوز الحدود المحلية؛ فإندونيسيا ليست مجرد عضو عادي، بل تمثل ثقلاً إسلامياً وآسيوياً كبيراً. انسحابها المحتمل من مجلس السلام قد يوجه ضربة قوية لشرعية المجلس في العالم الإسلامي، ويقوض الجهود الأمريكية الرامية إلى بناء تحالف واسع لإعادة إعمار غزة وترتيبات ما بعد الحرب.
وقد أكد العطاس أن الرئيس برابوو شدد على أن المشاركة الحالية تهدف أساساً إلى «الدفاع عن مصالح الفلسطينيين من الداخل» وليس تأييداً للسياسات الأمريكية. وتأتي هذه التصريحات لتهدئة الغضب الشعبي والضغوط المستمرة منذ فبراير الماضي، حيث انتقد مجلس العلماء الإندونيسي سابقاً الانضمام للمجلس، معتبراً أن الدور الأمريكي في التصعيد الإقليمي يتنافى مع مبادئ السلام.
خلفيات التأسيس والضغوط الراهنة
تأسس هذا المجلس رسمياً في دافوس في يناير الماضي، ويضم دولاً فاعلة مثل السعودية ومصر وقطر وتركيا وباكستان، إلى جانب إسرائيل ودول غربية. وكان الهدف المعلن هو تمويل إعادة إعمار غزة ودعم لجنة فلسطينية مستقلة لإدارة القطاع. ومع ذلك، فإن المخاوف من أن يتحول المجلس إلى غطاء لتمرير أجندات سياسية لا تخدم حل الدولتين دفعت الرئيس الإندونيسي إلى وضع خيار الانسحاب على الطاولة، مؤكداً أن البقاء مشروط بالقدرة على التأثير الإيجابي وضمان حقوق الفلسطينيين في دولة مستقلة.


