قرار تاريخي يهز أروقة العدالة الدولية
في خطوة غير مسبوقة هزت أركان العدالة الدولية، أعلنت الهيئة الإدارية للمحكمة الجنائية الدولية عن قرار إيقاف كريم خان، المدعي العام للمحكمة، عن مهامه بشكل مؤقت. يأتي هذا القرار الصادم عقب انتهاء مرحلة من الإجراءات التأديبية المتعلقة باتهامات خطيرة تتعلق بسوء سلوك جنسي، مما يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل قيادة واحدة من أهم المؤسسات القضائية في العالم.
جاء القرار مساء يوم الاثنين بعد تصويت أجرته اللجنة التنفيذية التابعة للهيئة الحاكمة للمحكمة، والذي قضى بإحالة القضية برمتها إلى جلسة خاصة للدول الأعضاء البالغ عددها 125 دولة. ستكون هذه الجلسة حاسمة للنظر في مستقبل خان واتخاذ قرار نهائي قد يشمل إجراءات إضافية، بما في ذلك إمكانية عزله من منصبه بشكل دائم.
خلفية الاتهامات وتفاصيل قرار إيقاف كريم خان
تعود جذور القضية إلى اتهامات ظهرت لأول مرة في عام 2024، وأثارت جدلاً واسعاً داخل أروقة المحكمة في لاهاي. وقد تقدمت بالشكوى موظفة كانت تعمل تحت إشراف خان المباشر، متهمة إياه بالتورط في ممارسات جنسية قسرية وغير قائمة على التراضي على مدى فترة زمنية ممتدة بين عامي 2023 و2024. ووفقاً للادعاءات، وقعت بعض الحوادث المزعومة في فنادق أثناء رحلات عمل رسمية، وكذلك داخل مكتبه ومنزله الخاص.
واستند قرار اللجنة التنفيذية، التي تضم ممثلين عن 21 دولة عضواً، إلى تقرير مفصل صدر عن جهة رقابية تابعة للأمم المتحدة بالإضافة إلى توصيات من لجنة خبراء قضائيين. وبحسب ما نقلته صحيفة “الغارديان” البريطانية، خلصت اللجنة بأغلبية مؤهلة إلى أن المحامي البريطاني البارز ارتكب “سوء سلوك جسيم”. ورغم أن خان نفى مراراً وتكراراً جميع هذه المزاعم، مؤكداً براءته التامة، إلا أن ثقل الأدلة الأولية كان كافياً لدفع الهيئة الحاكمة لاتخاذ هذا الإجراء الاحترازي.
تداعيات القرار على مصداقية المحكمة وقضاياها الكبرى
يمثل هذا التطور لحظة حرجة للمحكمة الجنائية الدولية، التي تأسست بموجب نظام روما الأساسي لتكون الملاذ الأخير لمحاسبة مرتكبي أفظع الجرائم الدولية كالإبادة الجماعية وجرائم الحرب. إن منصب المدعي العام هو حجر الزاوية في عمل المحكمة، وأي تشكيك في نزاهة شاغل هذا المنصب يلقي بظلال من الشك على المؤسسة بأكملها.
ويأتي قرار تعليق مهام خان في وقت حاسم، حيث يشرف مكتبه على تحقيقات بالغة الحساسية والأهمية على الساحة الدولية، أبرزها التحقيق في جرائم الحرب المحتملة في أوكرانيا، والوضع في فلسطين، بالإضافة إلى قضايا أخرى في أفغانستان وميانمار. هذا الفراغ القيادي المؤقت، والضجة الإعلامية المصاحبة له، قد يؤثران على سير هذه التحقيقات ويمنحان خصوم المحكمة فرصة للتشكيك في شرعيتها ودوافعها. وأكدت الهيئة الحاكمة في بيانها الرسمي أن قرار التعليق لا يمثل حكماً نهائياً على القضية، بل هو إجراء احترازي إلى حين استكمال كافة الإجراءات، مشيرة إلى أن خان كان قد تنحى مؤقتاً في وقت سابق عن إدارة مكتب الادعاء العام لحين انتهاء التحقيقات الأولية.


