مقدمة عن تصريحات غروسي والمنشأة الجديدة
أعلن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أن الوكالة تفتقر إلى أي معلومات دقيقة ومحدثة حول حالة منشأة التخصيب الإيرانية الجديدة الواقعة في مدينة أصفهان. وأوضح غروسي أن هذه المنشأة، التي تقع داخل مجمع نووي محصن تحت الأرض، لم تخضع لأي زيارة تفتيشية حتى الآن. جاءت هذه التصريحات خلال زيارة يجريها غروسي إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث يعقد سلسلة من المحادثات المكثفة مع مسؤولين في الإدارة الأمريكية لمناقشة التطورات المقلقة في الملف النووي الإيراني.
وأشار غروسي إلى أن إلغاء زيارات المفتشين الدوليين جعل الوكالة في حالة من عدم اليقين؛ فهي لا تعرف ما إذا كانت المنشأة الجديدة في أصفهان مجرد قاعات فارغة، أم أنها تضم قواعد خرسانية جاهزة لتركيب أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، وهي الآلات الدقيقة المستخدمة في تخصيب اليورانيوم لتشغيل محطات الطاقة أو لتطوير الأسلحة النووية. وأضاف أنه من غير الواضح ما إذا كان قد تم بالفعل تركيب بعض هذه الأجهزة. وكان من المقرر أن يقوم المفتشون بزيارة الموقع، إلا أن الزيارة أُلغيت اضطرارياً إثر تعرض المجمع النووي للقصف في بداية تصعيد عسكري استمر 12 يوماً مع إسرائيل. وأكد غروسي أن هناك العديد من الأسئلة المعلقة التي لن تتمكن الوكالة من الإجابة عليها إلا عند استئناف عمليات التفتيش الميداني.
حوادث أمنية وإخطارات إيرانية سابقة
وفي سياق متصل، كانت طهران قد أبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية رسمياً بوجود هذه المنشأة الجديدة في شهر يونيو الماضي. كما أخطرت إيران الوكالة مؤخراً بسقوط قذيفة في منطقة قريبة من محطة بوشهر للطاقة النووية، مؤكدة أن الحادث لم يسفر عن أي أضرار مادية في البنية التحتية أو خسائر بشرية. من جهة أخرى، وثقت الوكالة في الثالث من مارس الماضي تعرض مداخل محطة تخصيب اليورانيوم الإيرانية الرئيسية تحت الأرض في “نطنز” للقصف، وذلك خلال هجمات عسكرية سابقة استهدفت الأراضي الإيرانية.
السياق التاريخي للبرنامج النووي الإيراني
لفهم أبعاد هذه التطورات، يجب النظر إلى السياق التاريخي للأزمة النووية الإيرانية. بدأ التوتر يتصاعد بشكل ملحوظ منذ انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية الصارمة على طهران. رداً على ذلك، بدأت طهران تدريجياً في تقليص التزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق، بما في ذلك رفع نسب تخصيب اليورانيوم إلى مستويات تقترب من النسبة المطلوبة لصنع أسلحة نووية (60%)، وتقييد وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع الحساسة، وإغلاق كاميرات المراقبة التابعة للوكالة في عدة منشآت حيوية.
الأهمية الاستراتيجية لمنشآتي أصفهان ونطنز
تعتبر مدينة أصفهان مركزاً حيوياً في البرنامج النووي الإيراني، حيث تضم منشآت تاريخية لتحويل اليورانيوم وإنتاج الوقود النووي. إن إنشاء منشأة تخصيب جديدة تحت الأرض في هذا الموقع يعكس استراتيجية إيرانية تهدف إلى حماية بنيتها التحتية النووية من الهجمات الجوية أو السيبرانية المحتملة. أما منشأة “نطنز”، فهي القلب النابض لعمليات التخصيب الإيرانية، واستهداف مداخلها يعكس حجم التحديات الأمنية والعمليات الاستخباراتية والعسكرية التي تحيط بالبرنامج. تحصين هذه المنشآت تحت الأرض يعقد من مهمة المجتمع الدولي في مراقبة الأنشطة النووية ويصعب من إمكانية استهدافها عسكرياً.
التداعيات الإقليمية والدولية
يحمل غياب الشفافية والمعلومات حول منشآت التخصيب الإيرانية تداعيات خطيرة على المستويين الإقليمي والدولي. إقليمياً، يثير التقدم المستمر في البرنامج النووي الإيراني مخاوف عميقة لدى الدول المجاورة، وخاصة إسرائيل التي تعتبر امتلاك إيران لسلاح نووي تهديداً وجودياً لها، مما يفسر الهجمات المتكررة على المنشآت الإيرانية. كما يساهم هذا الوضع في إطلاق سباق تسلح محتمل في منطقة الشرق الأوسط. دولياً، يضع هذا التعتيم ضغوطاً هائلة على الوكالة الدولية للطاقة الذرية والدول الغربية لإيجاد آليات دبلوماسية أو ضغوط اقتصادية جديدة لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات والامتثال لضمانات عدم الانتشار النووي، وسط تحذيرات مستمرة من أن الوقت ينفد لمنع إيران من الوصول إلى العتبة النووية.


