في خطوة وصفت بأنها زلزال سياسي في المجر، وقّع الرئيس المجري تاماش شيويوك على تعديل دستوري أقره البرلمان، ينهي ولايته الرئاسية بشكل فوري. هذا القرار، الذي جاء تحت سيطرة حكومة رئيس الوزراء الجديد بيتر ماغيار، يمثل ذروة تحول سياسي جذري في البلاد، ويفجر جدلاً واسعاً حول مستقبل الديمقراطية ومؤسسات الدولة التي تشكلت خلال العقد الماضي.
أوضح شيويوك، الذي انتُخب مطلع عام 2024، أنه اضطر للتوقيع على التعديل لأنه يتوافق مع الإجراءات القانونية، لكنه أعرب عن معارضته الشديدة لمضمونه. وفي بيان له، وصف الرئيس المنتهية ولايته هذه الخطوة بأنها “منعطف خطير” في مسار الديمقراطية المجرية، معتبراً أن إنهاء ولاية مسؤولين منتخبين بهذه الطريقة يوجه “ضربة عميقة” لمبادئ الفصل بين السلطات وسيادة القانون.
جذور الصراع: نهاية حقبة أوربان الطويلة
يأتي هذا التطور الدراماتيكي في أعقاب تحول كبير في المشهد السياسي المجري. فقد هيمن رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان وحزبه “فيدس” على السلطة لأكثر من عقد، وهي فترة اتسمت بتعديلات دستورية وقانونية واسعة عززت من نفوذ الحزب الحاكم على مؤسسات الدولة، بما في ذلك القضاء والإعلام. وقد أثارت سياسات أوربان، التي وُصفت بأنها “ديمقراطية غير ليبرالية”، انتقادات متكررة من الاتحاد الأوروبي بشأن تآكل سيادة القانون.
لكن الانتخابات البرلمانية الأخيرة شهدت فوزاً ساحقاً لائتلاف المعارضة بقيادة بيتر ماغيار، الذي بنى حملته على وعود بتفكيك “نظام أوربان” واستعادة استقلالية المؤسسات. ومنذ توليه السلطة، بدأت حكومة ماغيار في اتخاذ خطوات سريعة لتنفيذ أجندتها، واضعة نصب أعينها تغيير البنية التشريعية والقضائية التي تعتبرها إرثاً من الحقبة السابقة.
تداعيات الزلزال السياسي في المجر ومستقبل الديمقراطية
لم يقتصر التعديل الدستوري على إنهاء ولاية الرئيس، بل شمل حزمة من الإصلاحات التي تهدف إلى إعادة هيكلة السلطة. من أبرز هذه التغييرات تحديد سن التقاعد لقضاة المحكمة الدستورية عند 70 عاماً، وهو ما سيؤدي إلى إنهاء ولاية رئيس المحكمة الحالي بيتر بولت، الذي يُعد من المقربين من أوربان. كما فرض التعديل حداً أقصى لمدة عضوية النواب في البرلمان بـ 12 عاماً. وبررت حكومة ماغيار هذه الإجراءات بأنها ضرورية “لاستعادة سلطة الشعب” وتفكيك مراكز النفوذ التي رسخها النظام السابق.
على الصعيد الدولي، يُنظر إلى الأحداث في المجر بقلق وترقب. فبينما كان الاتحاد الأوروبي ينتقد سياسات أوربان، فإن الأسلوب الذي تتبعه الحكومة الجديدة في إحداث التغيير قد يثير تساؤلات جديدة حول احترام الإجراءات الدستورية وحقوق الأقلية السياسية. ويرى مراقبون أن هذه الأزمة ستضع علاقة بودابست مع بروكسل تحت الاختبار مجدداً، حيث سيراقب الاتحاد مدى التزام الحكومة الجديدة بالمعايير الديمقراطية الأوروبية. داخلياً، عمّقت هذه الخطوة الاستقطاب السياسي، حيث يراها أنصار الحكومة الجديدة تصحيحاً للمسار، بينما يعتبرها أنصار أوربان “انتقاماً سياسياً” و”انقلاباً دستورياً” يهدد استقرار البلاد.


